الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
339
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
أنّها تشمل جميع صيغ التخاطب حتّى صيغ التخاطب من الأوامر والنواهي ، ووقع الإشكال بالنسبة إلى غير الحاضرين مجلس التخاطب من جهات ثلاث : الأولى : هل يصحّ تعلّق التكليف الوارد في الخطابات الشفاهيّة بالغائبين والمعدومين أو لا ؟ الثانية : هل يصحّ توجيه الخطاب إلى غير الحاضرين حقيقة أو لا ؟ الثالثة : أنّ أدوات التخاطب لماذا وضعت ؟ أمّا الأولى : فالحقّ أنّ الكلام هنا ليس في المعدوم بما هو هو ، فإنّه لا معنى لتوجّه التكليف إليه لا فعلياً ولا إنشائياً ، بل المراد منه المعدوم على فرض وجوده وعلى نهج القضيّة الحقيقيّة ويمكن توجّه التكليف في فرض وجود موضوعه ، كما في القضايا الشرطيّة . وأمّا الثانية : وهو جواز مخاطبة المعدومين فجوابه ظهر ممّا مرّ ، فإنّه إن كان المراد مخاطبة المعدوم بلحاظ العدم فلا يجوز قطعاً ، وأمّا إذا كان بلحاظ حال الوجود فلا إشكال فيه ، لأنّ حقيقة الخطاب توجيهه نحو الغير مع الإيصال إليه بأيّ وسيلة كانت سواء كان الغير حاضراً أو غائباً ، وليست حقيقته المشافهة حتّى يختصّ جوازه بالحاضر في المجلس ، ولذلك تكتب الرسائل ويخاطب فيها الغائب أو تكتب الوصية للجيل اللاحق وهم مخاطبون فيها ، كما ورد في وصية أمير المؤمنين علي عليه السلام : « أُوصِيكُمَا ، وَجَمْيِعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي ، بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ » « 1 » ، فإنّه يشمل جميع الأجيال حتّى في عصرنا . وأمّا الثالثة : فالإشكال فيه ناشٍ عن توهّم وجود الملازمة بين الخطاب والحضور وأنّ الحضور لازم فيه ، بينما أنّ حقيقة الخطاب هي توجيه الكلام نحو الغير مع الإيصال إليه بأيّ وسيلة كما تقدّم .
--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، الكتاب 47