الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
271
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
الجهة الثانية : دلالة النهي على التحريم لا إشكال في دلالة النهي على الحرمة ، وإنّما الإشكال في أنّ هذه الدلالة هل هي مقتضى الوضع فيكون استعمال النهي في الكراهة مجازاً ، أو أنّها مقتضى الإطلاق ومقدّمات الحكمة فيكون الاستعمال في الكراهة أيضاً استعمالًا حقيقياً ؟ الحقّ هو الثاني ، كما مرّ نظيره في الأمر ، فإنّ الكلام هنا هو الكلام هناك ، فكما أنّ دلالة الأمر على الوجوب كان من باب أنّ معناه هو الطلب مطلقاً ، ولا سبيل لعدم الطلب فيه ، فيكون الوجوب مقتضى هذا الإطلاق ، ولازمه أن لا يكون استعمال الأمر في الاستحباب مجازاً مع احتياجه إلى قيام قرينة على الاستحباب ، كذلك دلالة النهي على الحرمة ، فإنّ معناه الزجر والمنع عن الفعل مطلقاً من دون تطرّق عدم الزجر فيه ، وهذا يقتضي الحرمة وأن لا يكون استعماله في الكراهة بضمّ القرينة مجازاً ، لأنّه ليس من قبيل استعمال اللفظ في غير ما وضع له . الجهة الثالثة : دلالة النهي على التكرار هل النهي يدلّ على الاستمرار من ترك جميع الأفراد الطولية ، بعد ما مرّ من دلالته على لزوم ترك جميع أفراده العرضيّة ؟ قد مرّ أنّ الأمر بمقتضى مقدّمات الحكمة ، مع عدم وجود قرينة على مطلوبيّة التكرار ، يدلّ على المرّة ، وحيث إنّ ملاك الحرمة في النواهي وهو المفسدة ، قائمة بتمام الأفراد كما عرفت ، كان مقتضى إطلاق النهي وعدم تقييده بحدّ زماني الاستمرار والتكرار ؛ أي ترك إتيان جميع الأفراد الطولية كألافراد العرضيّة ، نعم إذا قيّد بقيد زماني كأن يقول المولى : « لا تشرب الماء إلى الغروب » فلا إشكال في عدم دلالته على التكرار بعد هذا الزمان . إن قلت : لازم هذا لزوم الفتوى بوجوب الاستمرار في باب النذر فيما إذا نذر مثلًا على نحو الإطلاق أن يترك التدخين وأن يبقى وجوب الوفاء على حاله حتّى