الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

268

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

وثانياً : إنّ النواهي لا تصدر من جانب الناهي إلّالوجود مفاسد في الأفعال المنهي عنها كما أنّ الأوامر تصدر من جانب الآمر لأجل مصالح موجودة في الأفعال المأمور بها ، فالنهي عن شرب الخمر لا يكون إلّالأجل مفسدة فيه ، كما أنّ الأمر بالصلاة لا يكون إلّالأجل مصلحة موجودة في الصلاة ، لا أنّ النهي عن شرب الخمر يكون لأجل مصلحة في تركه حتّى يكون النهي طلباً للترك ، كما أنّ الأمر بالصلاة لا يكون لأجل مفسدة في ترك الصلاة ، بل لمصلحة في فعله . ثمّ إنّ المراد من الترك هل هو عبارة عن مجرّد الترك ، أو يكون بمعنى كفّ النفس عن الفعل ، ذهب جمع إلى الأوّل « 1 » ، ويمكن أن يستدلّ له بوجهين : الأوّل : أنّه هو المتبادر إلى الذهن . الثاني : أنّ الترك أمر عدمي ، وهو يحصل بمجرّد ترك الفعل ، والتكليف بالكفّ تكليف بأمر وجودي زائد على مطلق الترك فيحتاج إلى مؤونة زائدة من الدليل وهي مفقودة . والقائلون بأنّ المراد من الترك هو الكفّ استدلّوا بأنّ مجرّد « أن لا يفعل » معنى عدمي والعدم خارج عن تحت القدرة والاختيار فلا يمكن أن يتعلّق به البعث والطلب « 2 » ، والشاهد على ذلك أزليّة العدم بمعنى أنّه كان قبل أن يكون المكلّف موجوداً . وأجيب عنه : بأنّه إذا كان وجود شيء تحت القدرة والاختيار كان عدمه أيضاً كذلك لاستحالة الانفكاك بين وجود شيء وعدمه من هذه الجهة ، فإنّ الجبر في جانب العدم يستلزم الجبر في جانب الوجود وهذا خلف ، وأمّا كون العدم خارجاً عن تحت الاختيار من الأزل فهو لا ينافي كونه اختيارياً في البقاء والاستمرار . نعم بقي هنا شيء وهو أنّه من البعيد جدّاً أن يكون مراد القائلين بالكفّ الكفّ

--> ( 1 ) . معالم الدين ، ص 91 ؛ قوانين الأصول ، ج 1 ، ص 137 ؛ الفصول الغروية ، ص 120 ( 2 ) . انظر : مفاتيح الأصول ، ص 145 و 146