الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

260

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

المصالح ، فإنّ المصالح الموجودة في الأشياء على أقسام : فتارةً : تقوم المصلحة بشيء لا يقوم مقامه شيء آخر ، كما إذا انحصر علاج مرض بدواء خاصّ ولم يوجد دواء آخر له . وأخرى : تقوم مصلحة واحدة بأمرين يقوم أحدهما مقام الآخر مع كونهما من طبيعة واحدة ولهما جامع حقيقي ، فيكون مثلًا لمرض خاصّ طريقان من العلاج من سنخ واحد ، كشرب هذا النوع من المسهل أو ذاك النوع منه . وثالثة : تقوم مصلحة واحدة بأمرين مختلفين يقوم أحدهما مقام الآخر أيضاً ، ولكن لا من طبيعة واحدة ، فيفرض لهما جامع انتزاعي كعنوان « أحدهما » كما في مرض خاصّ يمكن علاجه بطريقين كشرب الدواء والعمليّة الجراحيّة مثلًا . فالواجب في الصورة الأولى واجب تعييني ، كما أنّ الواجب في الصورة الثانية هو الجامع الحقيقي فيكون التخيير فيها عقلياً ، وفي الثالثة يكون متعلّق الطلب عنوان أحدهما ، أي الجامع الإنتزاعي ، لأنّ المفروض أنّه ليس في البين جامع حقيقي حتّى يكون هو متعلّق الغرض والطلب ، بل يكون الغرض قائماً بأحدهما ، فليكن الطلب أيضاً متعلّقاً بعنوان أحدهما الذي يكون عنواناً مشيراً إلى أحد الفردين في الخارج ، ويكون التخيير في هذه الصورة تخييراً مولوياً « 1 » . وبذلك يظهر أنّ في موارد العطف بكلمة « أو » يكون المتعلّق في الواقع إنّما هو عنوان « أحدهما » أو « أحدها » لأنّ المتبادر عرفاً من هذه الكلمة وكلّ ما يؤدّي معناها أنّ الخصوصيّات الفردية لا دخل لها في الحكم وأنّ الحكم تعلّق بأحد الشيئين أو أحد الأشياء ، نظير ما ورد في قوله تعالى في باب الكفّارات : « فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ » « 2 » .

--> ( 1 ) . ويلحق بهذه الصورة ، صورتي تعارض المصلحتين وتزاحمهما ؛ أي فيما لا يمكن الجمع بين أمرين في مقام الجعل لما فيهما من التباين والتضادّ كدواءين مختلفين يؤثّران في علاج مرضين مختلفين يزيل كلّ منهما أثر الآخر ، أو لا يمكن الجمع بينهما لعدم تمكّن المكلّف منه كإنقاذ غريقين في زمان لا يسع لذلك ( 2 ) . سورة المائدة ، الآية 89