الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

245

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

مضافاً إلى أنّ التكاليف الشرعيّة مشتملة على مصالح ترجع إلى العباد أنفسهم ، فكيف يستحقّون بإطاعتهم وإمتثالهم الأجر والأجرة ، بل الاستحقاق هنا بمعنى اللياقة لقبول التفضّل من جانب الباري تعالى ، أي أنّ العبد المطيع يليق بإنعام اللَّه تعالى وتفضّله عليه بمقتضى حكمته ، فإنّ التسوية بين المطيع والعاصي مخالف للحكمة ، ولعلّ هذا هو مراد من ذهب إلى أنّه من باب التفضّل لا الاستحقاق . وبعبارة أخرى : استحقاق الأجرة والاستعداد لها ؛ بحيث يعدّ عدم إعطائها ظلماً شيء ، واللياقة للتفضّل شيء آخر ، والاستحقاق فيما نحن فيه بالمعنى الثاني لا الأوّل ، فلا يعدّ ترك الثواب حينئذٍ من مصاديق الظلم ، نعم إنّه ينافي حكمة الباري الحكيم لأنّ لازمه التسوية بين المطيع والعاصي . فالاستحقاق في المقام لا ينافي التفضّل ، بل يكون بحسب الحقيقة من مصاديقه ، نعم قد يجتمع مع تفضّل أكثر يعبّر عنه في لسان الآيات بالفضل كما يعبرّ عن الأوّل بالأجر ، ويدلّ عليه قوله تعالى : « لِيُوَفّيَهُم أُجُورَهُم وَيَزيدَهُم مِن فَضْلِه » « 1 » ، واختلاف التعبير ناظر إلى اختلاف مراتب الفضل ، فالتعبير بالأجر مخصوص بمرتبة من التفضّل يعطى على أساس الكسب والعمل ولياقة اكتسبها العبد بالطاعة وترك المعصية ، والتعبير بالفضل مختصّ بمرتبة أخرى وليس على أساس العمل مباشرة . بعد الفراغ عن بيان حقيقة الثواب ، يقع الكلام في ترتّب الثواب على الواجب الغيري وقد ذكر فيه وجوه : 1 . عدم ترتّب الثواب مطلقاً ، وهو ما ذهب إليه المحقّق الخراساني رحمه الله « 2 » . 2 . الفرق بين ما تعلّق به الأمر الأصلي وما تعلّق به الأمر التبعي ، فيترتّب الثواب على الأوّل دون الثاني « 3 » .

--> ( 1 ) . سورة النساء ، الآية 173 ( 2 ) . كفاية الأصول ، ص 110 ( 3 ) . انظر : قوانين الأصول ، ج 1 ، ص 108