الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
241
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
وهاهنا إشكال معروف وهو أنّ هذا التعريف يوجب كون جلّ الواجبات غيريّة لأنّها إنّما وجبت لغيرها وهو المصالح الّتي تترتّب عليها ، فينحصر الواجب النفسي في مثل معرفة اللَّه تعالى حيث إنّها مطلوبة لذاتها « 1 » . وقد تصدّى الأعلام لحلّه بوجوه ، والمختار فيه أن يقال : إنّ المصالح الّتي تترتّب على الأفعال أمور خارجة عن دائرة علم المكلّفين بتفاصيلها ، وبالتبع خارجة عن دائرة قدرتهم وتكليفهم ، بل إنّها معلومة للمولى وتكون داعية لأوامره ، وحينئذٍ لا يعقل تكليف العباد بتحصيلها ولا محالة تكون فوق دائرة الأمر لا تحته . ويشهد لما ذكرنا أمور : الأمر الأوّل : ما أشير إليه من أنّ العبد غالباً يكون جاهلًا بتفاصيل المصالح الّتي تترتّب على الأحكام ، فهو يعلم إجمالًا بوجود رابطة بين الصلاة مثلًا والنهي عن الفحشاء وأنّ الصيام جنّة من النار ، وأمّا الجزئيّات والخصوصيّات فهي مجهولة له ، بل قد لا يعلم بعض المصالح لا تفصيلًا ولا إجمالًا كجعل صلاة الصبح ركعتين ، هذا مضافاً إلى كون المصلحة في كثير من مواردها ليست دائميّة وبمنزلة العلّة بل بصورة الأغلبية وبمثابة الحكمة كعدم اختلاط المياه في وجوب الأخذ بالعدّة . الأمر الثاني : أنّ المصلحة قد تكون في نفس أمر المولى وإنشائه ولا مصلحة في متعلّقه كما في الأوامر الامتحانيّة في الشرع ، ونظير الأوامر الّتي تصدر من جانب الموالي العرفيّة أو الامراء عند نصبهم لمجرّد تثبيت المولويّة أو الأمارة . الأمر الثالث : أنّ المصلحة قد لا تترتّب على فعل مكلّف خاصّ حتّى يؤمر بتحصيلها بل إنّها تترتّب على أفعال جماعة من المكلّفين ، بل قد تترتّب على أفعال أجيال منهم نظير أمر الإمام عليه السلام بكتابة الأحاديث للأجيال القادمة ، « 2 » فإنّ المصلحة
--> ( 1 ) . مطارح الأنظار ، ص 66 ؛ كفاية الأصول ، ص 107 ؛ نهاية الأصول ، ص 180 و 181 ( 2 ) . كقول الصادق عليه السلام : « احتفظوا بكتبكم ، فإنّكم سوف تحتاجون إليها » ، وقوله عليه السلام لمفضّل بن عمر : « اكتبوبثّ علمك في إخوانك ، فإن متّ فأورث كتبك بنيك ، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلّابكتبهم » . ( وسائل الشيعة ، ج 18 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 8 ، ح 17 و 18 )