الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

232

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

وببيان آخر : أنّ المعاني الحرفيّة إيجاديّة بأسرها ، ولو لم يكن الجميع كذلك فلا أقلّ من خصوص مفاد هيئة الأمر ، أي الطلب ، فلا إشكال في كونه إيجادياً ، والمعنى الإيجادي جزئي حقيقي ، فإنّ الإيجاد هو الوجود ، ولا ريب في أنّ الوجود الخارجي عين التشخّص والجزئيّة فلا يقبل التقييد والإطلاق . ولكن يرد عليه : أنّ كون الموضوع له في الحروف والهيئات خاصّاً ليس معناه كونه جزئياً حقيقياً ، بل إنّه بمعنى الجزئي الإضافي ، فمعنى الابتداء المستفاد من قولنا : « سر من البصرة إلى الكوفة » مثلًا كلّي تتصوّر له أفراد كثيرة ، فالإمتثال لهذا الأمر له مصاديق كثيرة ، وكلّ ما كان له مصاديق كثيرة كان كلّياً . وأمّا كونها إيجاديّة وأنّ الإيجاد جزئي حقيقي فيمكن الجواب عنه بأنّ الإيجاد جزئي حقيقي ، ولكن البحث هنا ليس بحثاً عن التقييد بمعنى التضييق والتخصيص ، بل إنّه بحث عن التقييد بمعنى التعليق ، وحيث إنّ التعليق إيجاد على فرض خاصّ ، فيمكن تعليق الإيجاد أو الوجود على شيء مفروض الوجود وإن لم يمكن تقييده ، فلا مانع مثلًا من تعليق وجود إكرام زيد ولو بنحو خاصّ على مجيئه ، وسيأتي شرحه إن شاء اللَّه في معنى القضيّة الشرطيّة . الثاني : ما يستفاد من كلمات بعض الأعاظم من أنّ المعنى الحرفي وإن كان كلّياً إلّا أنّه ملحوظ باللحاظ الآلي ولا يلحظ استقلالًا حتّى يمكن تقييده ، حيث إنّ التقييد أو الإطلاق من شؤون المعاني الملحوظة باللحاظ الاستقلالي « 1 » . ويرد عليه : إنّا لم نقبل كون المعاني الحرفية معاني مرآتية آلية بمعنى كونها مغفولًا عنها ، بل قد ذكرنا هناك أنّه ربّما يكون المعنى الحرفي مستقلًاّ في اللحاظ بهذا المعنى ، بل يكون تمام الالتفات والتوجّه إليه كما إذا قلت : هل الطائر في الدار أو على الدار ؟ ومرادك السؤال عن « الظرفيّة » و « الاستعلاء » في مثل الطائر الذي

--> ( 1 ) . فوائد الأصول ، ج 1 ، ص 181