الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
210
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
دفعاً لتوهّم استعلائه على المخاطب الجواب بأنّ هذا ليس بأمرٍ ، بل هو استدعاء . والتحقيق أن يقال : إنّ المتبادر من الأمر إنّما هو نوع من الإلزام - في مقابل الاستدعاء الذي ليس فيه إلزام - وهو يتصوّر فيمن كان مطاعاً بنحو من الأنحاء ، أي يصدر الإلزام ممّن هو مطاع إمّا شرعاً أو عرفاً أو عقلًا ، وحيث إنّ لزوم الطاعة يلازم غالباً العلو والاستعلاء فتوهّم من ذلك اعتبارهما في المعنى الموضوع له الأمر ، فالمتبادر من الأمر إنّما هو الإلزام ، وأمّا العلوّ والاستعلاء فهما من اللوازم الغالبيّة له . 2 . دلالة مادّة الأمر على الوجوب واستدلّ لها بوجوه : الوجه الأوّل : التبادر والظهور العرفي ، فإنّ المتبادر عرفاً من لفظ الأمر فيما إذا كان مجرّداً عن قرينة على الاستحباب هو الطلب الإلزامي . وإن شئت قلت : أنّ مفاده البعث ، والبعث يستدعي الانبعاث كما هو الحال في البعث الفعلي بأن يأخذ بيده ويبعثه نحو العمل ، فكما أنّ البعث الفعلي ظاهر في الوجوب ، فكذا البعث القولي يتبادر منه الوجوب . ومع ذلك استعماله في المستحبّ ليس بمجاز ، بل المتبادر من الإطلاق هو الوجوب ، فإنّ الانصراف إلى بعض أفراد المطلق ليس بمعنى كونه مجازاً في غيره . الوجه الثاني : قوله تعالى : « فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » « 1 » من جهة اشتماله على تهديد من يخالف الأمر بالعذاب . الوجه الثالث : قوله صلى الله عليه وآله : « لولا أن أشقّ على امّتي لأمرتهم بالسواك عند وضوء كلّ صلاة » « 2 » حيث إنّه صلى الله عليه وآله نفى الأمر مع ثبوت الاستحباب .
--> ( 1 ) . سورة النور ، الآية 63 ( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 1 ، كتاب الطهارة ، أبواب السواك ، الباب 3 ، ح 4