الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

195

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

الأولى : أنّ التبادر فرع وجود معنى مبيّن للألفاظ ، مع أنّ هذه الألفاظ على القول بالصحيح مجملات - في مثل العبادات - إذ من الواضح وقوع الشكّ في جملة من أجزاء الصلاة وشروطها ، فعلى هذا القول يكون معناها مجملًا مردّداً بين الأقلّ والأكثر ، فكيف يدّعي الصحيحي تبادر الصحيح التامّ من ألفاظها ؟ وأجاب عنها المحقّق الخراساني رحمه الله : « أنّ معاني هذه الألفاظ وإن كانت على هذا القول مجملات ولكنّها مبيّنات من ناحية بعض الخواصّ والآثار ، فتكون الصلاة مثلًا هي الّتي تنهى عن الفحشاء ، أو تكون معراجاً للمؤمن ، وهذا يكفي في صحّة التبادر » « 1 » . الثانية : أنّ الوجدان حاكم على صحّة إطلاق الألفاظ في المركّبات الخارجيّة على بعض الأفراد الناقصة من دون وجود عناية وتسامح في البين ، نظير إطلاق لفظ الإنسان على الفاقد لعضو من الأعضاء من اليد أو الرجل مثلًا ، مع أنّ لازم دعوى تبادر المعنى الصحيح إلى الذهن كون هذه الاستعمالات مجازيّة . والجواب واضح بناءً على ما مرّ من أنّ الموضوع له إنّما هو المؤثّر للأثر ولا إشكال في أنّ الأثر قد يكون أمراً ذا مراتب ، مرتبة واجدة لتمام الأثر ، ومرتبة واجدة لمعظمه ، والإطلاق حقيقي بشهادة التبادر وصحّة السلب فيما إذا كان العمل واجداً لمعظم الأثر ، ومجاز فيما يكون فاقداً له . ولا يخفى أنّه كلّما كان إطلاق اللفظ على الفاقد لجزء من الأجزاء أو لشرط من الشرائط حقيقياً بلا عناية ومجاز كشفنا منه وجود معظم الأثر ، كما أنّه لا إشكال في أنّ الأثر المترتّب على الصلاة يكون ذا مراتب عديدة ، فإطلاق الصلاة على صلاة المريض مثلًا حقيقي لتحقّق معظم أثر الصلاة بها وذلك لحكم الشارع بصحّتها ؛ فإنّ حكمه بالصحّة في كلّ مورد يكون كاشفاً عن وجود معظم الآثار كما أنّ حكمه بالفساد كاشف عن عدم وجودها .

--> ( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 29