الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

130

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

ظاهر في السعة الاستمراري والتخيير الدائمي . ثانيهما : استصحاب التخيير الثابت في بدو الأمر على فرض الشكّ . واستدلّ للقول الثاني أيضاً بوجهين : أحدهما : أنّ الموضوع في أخبار التخيير هو التحيّر ، وهو يرتفع بعد اختيار أحد الخبرين فلا يكون بعده مشمولًا لها ، كما أنّه لا يجوز حينئذٍ استصحاب التخيير لتبدّل الموضوع . ثانيهما : لزوم المخالفة القطعيّة التدريجيّة العمليّة من استمرار التخيير فإنّ المفروض كون التخيير ظاهرياً فيكون أحدهما مخالفاً للواقع قطعاً . أقول : يمكن المناقشة في الوجه الأوّل بأنّ الموضوع في أخبار التخيير ليس هو عنوان المتحيّر بل الموضوع وجود خبرين متعارضين ، ولا إشكال في أنّ التعارض دائمي . وأمّا الوجه الثاني فهو تامّ ، وقد ذكرنا في محلّه أنّ المخالفة القطعيّة العمليّة للعلم الإجمالي حرام سواء كانت دفعية أو تدريجيّة ، ولازم هذا الوجه كون التخيير بدوياً كما تشهد به مرفوعة زرارة لأنّها تأمر بالأخذ بأحد الخبرين وطرد الآخر حيث تقول : « فتخيّر أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر » ولا إشكال في أنّ ظاهر طرد الآخر طرده مطلقاً ، كما أنّ ظاهر الأخذ بأحدهما أخذه دائماً . وأمّا القول الثالث فاستدلّ له بأنّ التخيير إذا كان في المسألة الفقهيّة كان كالتخيير بين القصر والإتمام في المواطن الأربعة ، فللمكلّف أن يعمل بمضمون أحد المتعارضين تارةً ، وبمضمون الآخر أخرى ، إلّاأن يقوم دليل على خلاف ذلك ، وأمّا إذا كان التخيير في المسألة الاصوليّة فإنّ معناه هو التخيير في جعل أحد المعارضين حجّة شرعية وأخذ أحدهما طريقاً محرزاً للواقع ، ولازم ذلك وجوب الفتوى بما اختاره أوّلًا وجعل مؤدّاه هو الحكم الكلّي الواقعي المتعلّق بأفعال المكلّفين فلا معنى لاختيار الآخر بعد ذلك .