الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
121
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
مماثلًا لمؤدّيها ، وهذا ما ذهب إليه جماعة من أعاظم أصحابنا . والنتيجة بناءً على هذا المعنى هو التساقط بناءً على كون الحكم الظاهري المماثل مجرّد طريق إلى الواقع فحسب ، من دون حصول أي مصلحة فيه ، وأمّا إذا قلنا إنّها توجب في مؤدّيها حصول مصلحة أقوى من مصلحة الواقع أو المساوي لها فهو يشبه حينئذٍ مبنى السببيّة المعتزليّة ، ونتيجته التزاحم بين الأمارة الّتي أصابت إلى الواقع والأمارة الّتي أخطأت ، ولكنّها أوجبت مصلحة في مؤدّيها ، فيكون مقتضى الأصل حينئذٍ التخيير أيضاً . 4 . السببية السلوكية : أو المصلحة السلوكيّة ، والمراد منها أنّ أدلّة حجّية الأمارة لا توجد مصلحة في مؤدّيها في صورة الخطأ ، بل إنّها توجب حصول مصلحة في نفس العمل على طبقها ما يعادل مصلحة الواقع ، ففي مثل الأمارة الّتي قامت على وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة ، بناء على عدم وجوبها واقعاً ، لا توجب أدلّة حجّيتها حصول مصلحة في نفس صلاة الجمعة ، بل توجد مصلحة في العمل بقول الثقة مثلًا وسلوك هذا الطريق . فعلى هذا المبنى أيضاً يكون مقتضى القاعدة التخيير والدخول في باب التزاحم على تفصيل مرّ ذكره ، ولكن لا دليل على حصول هذه المصلحة في مقام الإثبات ، هذا كلّه بناءً على القول بالسببيّة . وأمّا على مبنى الطريقية ، وهو الصحيح المختار على ما بيّناه في محلّه ، فذهب أكثر أصحابنا إلى التساقط ، واستدلّوا لذلك بوجود العلم الإجمالي بكذب أحد الطريقين ، حيث إنّه يوجب عدم اعتماد العرف والعقلاء بكليهما فيسقط كلّ واحد منهما عن الطريقية والحجّية . وإن شئت قلت : إنّ الطرق الشرعيّة مأخوذة من الطرق العقلائيّة وإمضاء لها غالباً ، ولا إشكال في أنّ العرف والعقلاء في باب الشهادات والدعاوي ومقام القضاء وغيرها يحكمون ببطلان كلاالطريقين إذا شهد كلّ منهما على خلاف الآخر وتعارضا .