الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
30
الإدارة والقيادة في الإسلام
إلّا أن قال لهم بالهام إلهي : « ناقَتي مأمورة » « 1 » ، فاتركوها تجلس حيث تريد ، وهكذا استمرت الناقة في مسيرها إلى أن وصلت إلى دار « أبي أيوب الأنصاري » ، وأناخت عندها ودخل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله دار هذا الأنصاري وتمّ حلّ المسألة بدون أي نزاع أو كدر . 2 - عقد المؤاخاة كان المجتمع الإسلامي الصغير آنذاك يتكون من طائفتين : « المهاجرون » القادمون من مكّة المكرمة ، و « الأنصار » وهم أهالي المدينة ، وكانت هاتان الطائفتان تختلفان في الثقافة والآداب والتقاليد وما إلى ذلك ، ولم يكن يجمعهما سوى الإسلام . ومن هنا كان ينبغي على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله اتباع أسلوب دقيق في إدارة الأمور من خلال توحيد الدوافع وإزاحة كل ما من شأنه أن يثير الخلاف والاختلاف . هنا أقدم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله على ابتكار عجيب وهو عقد « المؤاخاة » بين أفراد هاتين الطائفتين من المسلمين ، فصحيح أنّ جميع المؤمنين إخوة ولكنّ هذا العقد بين كل واحد من المهاجرين مع واحد من الأنصار كان له تأثير عجيب في تحكيم وشائج الاخوة وأواصر العلاقة بين أفراد المجتمع الجديد ، ومن هذه الجهة انحلت مشكلة أخرى وهي غربة المهاجرين في وطنهم الجديد ، وكذلك رفع كل أشكال التمييز الفئوي من جهة أخرى بحيث أصبح جميع الأفراد وكأنّهم أعضاء أسرة واحدة ، بل إنّ هذه الأخوّة امتدّت إلى مسألة « التوارث » حيث كان أحد المهاجرين يرث من أخيه الأنصاري وبالعكس ، وطبعاً كان ذلك قبل نزول آيات الإرث بين الأرحام . 3 - المسجد مقرّ العبادة والسياسة كان المجتمع الإسلامي الجديد يحتاج إلى مركز اجتماعي ومعنوي ليكون محوراً للنشاطات والحكم وتيسير الأمور ، وكما تقدم سابقاً فإنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أقدم بأمر من اللَّه
--> ( 1 ) . انظر : سيرة ابن هشام ، ج 2 ، ص 140 .