الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

28

الإدارة والقيادة في الإسلام

وكما ألمحنا آنفاً أنّ الإسلام لا ينظر إلى مسألة الحكومة على أساس أنّها هدف بل مجرّد وسيلة لتحقيق الغايات السامية ، ولكننا نرى أنّ نبي الإسلام صلى الله عليه وآله عندما توفرت عوامل تشييد الحكومة الإسلامية اهتم قبل كل شيء بأمر مهم وحساس ، وهذا الأمر ليس هو بيت المال ، أو الجيش أو المحكمة و . . . بل اهتم في بناء مسجد ، لأنّ المحور الذي تدور حوله جميع الأمور في المجتمع الجديد هو المسجد ، وبعبارة أُخرى : إنّ جميع مكونات الحكومة الجديدة كانت تتلخص في المسجد . فالمسجد كان بمثابة الجامعة الإسلامية الكبيرة . المسجد ، مركز بناء الذات وتربية نفوس المسلمين . المسجد ، مركز هيئة أركان الجيش الإسلامي . المسجد ، محلّ القضاء والمحكمة الإسلامية . وأخيراً فالمسجد ، مضافاً إلى كونه المركز الأصلي للمعنوية والارتباط مع اللَّه وتقوية روح الإيمان لدى المسلمين ، كان مركزاً لتنظيم التشكيلات الإسلامية في جميع المجالات وعلى مختلف المستويات . لقد كان ينبغي على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ايصال دعوته إلى جميع العالم وجميع مناطق المعمورة بشكل علني وصريح ، في حين أنّ الأعداء كانوا يضعون العراقيل والموانع أمام حركته الرسالية ، ومن هنا كان الوصول إلى هذه الغاية وتحقيق هذا الهدف الكبير غير ممكن بدون تشكيل نظام محكم وقوي . لقد كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يقوم بنفسه بتحكيم أصول ودعائم الحكومة الإسلامية وكان يأخذ على عاتقه جميع الأمور المهمّة التي يتولّاها أيّ قائد كبير ، ومن هذا المنطلق كانت مسألة تنظيم الدساتير والعهود الكفيلة ببناء المجتمع الجديد تقف على رأس الأولويات في العملية السياسية . كل ذلك يحكي عن الإدارة الحاسمة والدقيقة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله . وصحيح أنّ جميع هذه الأمور كانت بأمر إلهيّ وناشئة من تعاليم الوحي ، ولكن على أية