الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
19
الإدارة والقيادة في الإسلام
ولا يمكن تحقيق هذا الهدف إلّامن خلال تشكيل الحكومة وإقامة النظام السياسي الصالح في المجتمع البشري هل يمكن مقابلة قوى الشرّ ومواجهة قوى الباطل في العالم ، والتي لا ترى ولا تعترف إلّا بمنافعها ومصالحها ، إلّامن خلال آليات الحكومة والسلطة وبالتالي التصدي لهذه القوى الظالمة وكبح جماحها وقطع يدها من استغلال ثروات الشعوب المستضعفة ؟ هل أنّ قوى الشر والهيمنة في العالم تعير اذناً صاغية للأدلة المنطقية للعلماء ونصائح المصلحين ، والقيم الإنسانية ، حتى يمكن التحاور معها على هذا الأساس ؟ هل ينبغي الجلوس والتفرّج على هيمنة الظالمين والنظر إلى مجاعة المظلومين والاكتفاء في أداء المسؤولية والرسالة الإنسانية والأخلاقية في مقابل « كِظَّةِ ظَالمٍ » و « سَغَبِ مَظلُوم » « 1 » بالنصيحة والموعظة فقط ؟ ! هل يمكن التعامل مع الفاقدين للمنطق والأخلاق وإقامة القسط والعدل في ربوع المجتمع إلّامن خلال استخدام أدوات السلطة والقوّة ؟ ! وطبعاً لا شك في ضرورة دعوة الجمهور العام إلى إحياء القيم الأخلاقية والتربية الصحيحة من خلال التوعية الثقافية والدينية ، ولكن ما هو الموقف أمام قوى الشر والهيمنة ، وهل يمكن إقامة العدل والقسط مع كل الموانع التي تقيمها قوى الشر إلّامن خلال تشييد أركان الحكومة الإسلامية ؟ وأخيراً فإنّ تحرير أفراد المجتمع البشري من القيود والأسر يعدّ أحد الأهداف الأصيلة لبعثة الأنبياء كما صرّح القرآن الكريم بهذه الحقيقة الحاسمة وقال : « وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ . . . » « 2 » .
--> ( 1 ) . إشارة إلى أنّ علماء المجتمع لا ينبغي لهم السكوت عمّا يرونه من مجاعة المظلومين ، وتخمة الظالمين ، ولأجل هذه المسألة المهمّة والتعهد الرسالي وفي تلك الشرائط الصعبة قَبِل الإمام علي عليه السلام بالحكومة وتولي السلطة حيث قال : « . . . وَلولا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ لا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ ، وَلا سَغَبِ مَظْلُومٍ ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَها عَلَى غَارِبِها . . . » ، ( نهج البلاغة ، الخطبة 3 ) . ( 2 ) . سورة الأعراف ، الآية 157 .