الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
17
الإدارة والقيادة في الإسلام
والأفضل في هذا المجال ومن أجل فهم أعمق لهذه الأهداف ، أن نعود إلى القرآن الكريم الذي يمثّل أصلًا أساسياً ومحورياً لفهمنا الديني ، ونستمد منه ما يؤكد هذه الأُصول المهمّة ، وعلى رأسها أصل « المعرفة والوعي » و « التربية الإنسانية » ، حيث يتحدّث القرآن الكريم عن هذين الأصلين ويقول : « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ » « 1 » . هنا نرى أنّ القرآن الكريم يقرّر أنّ هدف بعثة الأنبياء هو نجاة البشرية من « الضلال المبين » ، عن طريق تلاوة الآيات الإلهيّة وعملية التزكية الأخلاقية وتعليم الكتاب والحكمة ، ويقرر أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله مكلّف بتحقيق هذين الهدفين الكبيرين « التعليم والتربية » ورسم الآليات والبرامج العملية لإنجاز هذا الغرض . واللافت أنّ مسألة « التعليم » « 2 » في الآيات القرآنية مقدّمة على مسألة « التربية » ، وأحياناً تقدّم « التربية » على « التعليم » ، وهذا إشارة إلى أنّ كلا هذين الأصلين يتأثر أحدهما بالآخر في عملية التأثير المتقابل ، بمعنى أنّ التعليم في بعض المراحل يكون أساساً ومصدراً للتربية الأخلاقية ، كما أنّ التربية الأخلاقية بدورها قد تكون منبعاً ومصدراً للحركة في خط الوعي والمعرفة الصحيحة بعيداً عن حجب الجهل والتشويش الفكري . ولذلك يعتبر اللَّه تعالى القرآن هدىً للمتقين الذين يسيرون في خط الصلاح والخير والعبودية والمسؤولية : « ذَلِكَ الْكِتَابُ لَارَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » « 3 » . ومن البديهي أنّ المجتمع - ومن أجل التوصل إلى هذين الهدفين الكبيرين - ليس أمامه سوى طريق الاستفادة من آليات الحكومة والسلطة ، فكيف يمكن إنجاز مسألة التعليم والتربية بدون استخدام شبكة واسعة من التخطيط والبرمجة من قِبل الحكومة ، ومن دون الاستمداد من بيت المال ، وكيف يمكن تحقيق عملية تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس
--> ( 1 ) . سورة الجمعة ، الآية 3 . ( 2 ) . انظر : سورة البقرة ، الآية 129 ؛ سورة آل عمران ، الآية 164 ؛ سورة الجمعة ، الآية 2 . ( 3 ) . سورة البقرة ، الآية 2 .