تقرير بحث النائيني للكاظمي
82
فوائد الأصول
المقام - فلا يجري الأصل النافي فيما يجري فيه الأصل المثبت ، فتبقى أصالة الطهارة جارية في الملاقي ( بالكسر ) بلا معارض ( 1 ) وهذا من غير فرق بين سبق العلم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) والطرف على العلم بالملاقات ، أو سبق العلم بالملاقات على العلم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) والطرف ، غايته أن الأول يوجب عدم تأثير العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) أو الطرف ، والثاني يوجب انحلاله ، لان المدار على سبق المعلوم لا على سبق العلم ، وسيأتي توضيحه . وأما الثاني منهما : وهو العلم بنجاسة الملاقي والملاقى أو الطرف ، فلان الملاقي ( بالكسر ) ليس في عرض الملاقى ( بالفتح ) حتى يكونا معا بمنزلة طرف واحد ، لأن الشك في نجاسة الملاقي وطهارته مسبب عن الشك في طهارة الملاقى ونجاسته ، والأصل الجاري في الشك السببي ليس في رتبة الأصل الجاري في الشك المسببي ليجريان معا أو يسقطان معا ، بل رتبة الأصل السببي مقدمة على الأصل المسببي ( 2 ) ولا تصل النوبة إليه مع جريان الأصل السببي توافقا في
--> ( 1 ) أقول : على مسلكه من جريان الأصل بلا معارض في طرف لا يحتاج إلى اسقاط المتأخر عن التأثير ، وإنما هو شأن من التزم بأن منجزية العلم مانع عن الجريان ولو بلا معارض ، فلا يخلو هذه الكلمات عن الخلط بين المسلكين ، فتدبر . ( 2 ) أقول : ما أفيد على مبناه : من أن منشأ سقوط الأصل في أطراف العلم جهة معارضته في غاية المتانة ، لان الأصل السببي يجري على أي حال في موضوعه بلا معارض ، لسقوط أصل الطرف بمعارضته مع الأصل في السبب . وأما لو بنينا على المختار : من علية العلم للموافقة القطعية أيضا - بحيث يكون المانع عن جريان الأصل في العلم المنجز للتكليف هو نفس العلم ولو لم يكن للأصل معارض - فلا محيص في جريان الأصل المسببي الفارغ عن المعارض من أن لا يكون في طرف العلم المنجز ، ولو بأن يكون مسبوقا بحسب الرتبة بعلم آخر منجز لطرفيه ، كي يرد العلم المتأخر رتبة على ما يتنجز طرفيه في الرتبة السابقة الموجب لمنع العلم المتأخر عن صلاحية المنجزية في أحد الطرفين من جهة سبقه بعلة أخرى ، وحيث كان الامر كذلك ، فتمام المدار في جريان الأصل النافي المسببي الغير المعارض على عدم سبق علمه بمنجز آخر رتبة ، ومن المعلوم : أن إثبات هذه الجهة لا يمكن إلا بفرض كون العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) ناشئا عن العلم بالملاقات مع طرف العلم بالنجاسة في البين ، وإلا فلو فرض العلم بنجاسة المتلاقيين من الأول من غير جهة الملاقاة ، ولو بمثل إخبار معصوم أو شئ آخر مفيد لليقين بنجاستهما ، ثم علم بأن منشأ النجاسة في الملاقي ( بالكسر ) ملاقاته مع الملاقى ( بالفتح ) فالعلم الاجمالي بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) لا يكون مسبوقا بالعلم الآخر ، بل هما في عرض واحد ، كما لو علم بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) مع الطرف الآخر ، ثم علم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) من قبل العلم بملاقاته مع الآخر ، فلا محيص في مثل هذه الصورة العلم بين المسبب والطرف سابقا عن العلم بالسبب والطرف ، عكس الصورة الأولى ، ففي مثل هذا يكون التنجز منحصرا بالمسبب دون السبب ، عكس السابق . كما أن في الصورة الثانية كان العلمان في رتبة واحدة بلا سبق لأحدهما على الآخر رتبة ، فلا موجب لتنجز الملاقى والطرف بلا تنجز الملاقي ( بالكسر ) مع كونه أيضا طرفا لهذا العلم . وتوهم : أن مدار تأثير العلم في التنجز على سبق المعلوم ولحوقه لا على سبق العلم ، كلام ظاهري ، إذ بعد الجزم بأن التكليف - في أي وقت أو مرتبة كان - لا يعقل أن يتنجز إلا في ظرف تعلق العلم به ، بحيث يستحيل أن يؤثر العلم في تنجز المعلوم قبل تحققه ، فمن حين تحقق العلم يلاحظ بأنه إن كان العلم المزبور قام على طرفه منجز سابق أو مقارن يخرج العلم المزبور عن المنجزية ، وإلا يبقى منجزا لمعلومه ، وحينئذ إذا فرض كون العلم بالسبب ناشئا عن العلم بالمسبب ، يستحيل تأثير العلم بالسبب لسبقه بالمنجز بحسب الرتبة ، ومجرد سبق المعلوم رتبة كيف يجدي في قلب العلم أو تأثيره في التنجز في المرتبة السابقة ؟ . وتوهم : أن العلم من عوارض المعلوم فمع سبق المعلوم قهرا يسبق علمه عن العلم بمسببه ، مدفوع غاية الدفع ، إذ مجرد سبق شئ في الوجود الخارجي على شئ لا يقتضي سبق علمه ، لعدم كون العلم من عوارض الوجود خارجا ، وإنما ظرف عروضه الذهن ، غاية الأمر بما هو منظور خارجيا ، لا الخارج ، ومن البديهي أن السبق في الوجود لا يقتضي السبق في عالم التصور ، ولذا ربما يصير العلم بالمعلول علة للعلم بالعلة بلا انقلاب العلمين عما هما عليه من العلية والمعلولية ، وحيث كان كذلك ، فلا وقع لهذا الكلام : من أن المدار في سبق التنجز على سبق المعلوم لا العلم . والعجب من مثل هذا المقرر ! حيث إنه يجري الأصل في طرف واحد بلا معارض ، ومثله لا يحتاج إلى إثبات سبق العلم بمنجز آخر ، بل يكفيه مجرد سبق المعلوم رتبة في جريان الأصل في المسبب بلا معارض ، ولا داعي له على إثبات عدم سبق لعلم بمنجز آخر أو سبقه ، كي يلتزم بمثل هذا المحذور وصدور هذه الكلمات قبال استاذنا الأعظم الذي مبناه على مانعية نفس العلم عن جريان الأصل في الطرف ولو بلا معارض . نعم : على مسلكه يلزم إشكال آخر ، وهو أن أصالة الطهارة في الملاقي ( بالكسر ) وإن كان معارضا مع أصالة الطهارة في الطرف ، ولكن بعد سقوط أصالة الطهارة فيه ينتهي النوبة إلى أصالة حليته ويصير هذا الأصل في رتبة أصالة الطهارة في الملاقي ( بالكسر ) فيتساقطان ، ثم بعد ذلك ينتهي النوبة إلى أصالة الحلية في الملاقي ( بالكسر ) وهو لا ينتج إلا في جواز شربه ، ولا يجدي في صحة وضوئه المشروط بطهارة مائه ، مع أن بنائهم على صحة الوضوء بالملاقي ( بالكسر ) لأصالة طهارته . ولعمري ! أن هذه الشبهة من غوامض الشبهات . والعجب من الماتن ! إنه لم لم يتعرض له ، مع أنه مسبوق به ، ولعله من جهة وضع تقريره على الاقتضاء على ما أفاده أستاذه - والتحقيق أن هذه الشبهة على مسلك اقتضاء العلم وسقوط الأصول مما لا محيص عنه . وأما على مسلكنا : من مانعية العلم عن جريان الأصل في طرفه ولو بلا معارض ، فالاشكال لا وقع له ، لأنه لو فرض عدم معارضة أصالة الحل في الطرف مع أصالة الطهارة في الملاقي ( بالكسر ) لا مجال لجريانه في الطرف الآخر ، لان العلم الاجمالي السابق بعدما يتنجز التكليف بحرمة الشرب والوضوء به أولا لا يكاد يجري فيه أصالة الحلية في طرفه ، لسبق تنجز التكليف في المحتمل المانع عن الأصل النافي ، وحينئذ لا ؟ كاد يجري هذا الأصل ، كي ؟ صلح للمعارضة مع أصالة الطهارة في الملاقي ( بالكسر ) .