تقرير بحث النائيني للكاظمي
67
فوائد الأصول
شيخنا الأستاذ - مد ظله - في ابتداء الامر ، إلا أنه أخيرا وافق الشيخ وجعل المناط في الاستهجان عدم اتفاق الابتلاء لا عدم إمكانه ، فتأمل جيدا . الأمر الرابع : لا يجب الاجتناب عن الملاقي لاحد طرفي المعلوم بالاجمال ، إلا إذا قلنا بأن وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس إنما هو لأجل سراية النجاسة من الملاقى ( بالفتح ) إلى الملاقي ( بالكسر ) ( 1 ) .
--> ( 1 ) أقول : الذي يقتضي تحقيق المقام مقدمة لشرح المرام أن يقال : أولا : ان ما يتصور في وجه نجاسة ملاقي النجس أمور : أحدها : الالتزام بأنه حكم تعبدي ومجعول مستقل قبال جعل النجاسة للملاقي ( بالفتح ) وأن مثل هذا الحكم في ظرف ملاقاته النجس بحيث يكون مثل هذه الجهة مأخوذا في موضوعه بنحو التعليل والشرطية . الثاني : أن يكون نجاسة الملاقي ( بالكسر ) جائية من قبل نجاسة الملاقى ( بالفتح ) وأنه من شؤونه ، كمجئ حركة المفتاح من قبل حركة اليد ، وأن الملاقاة سبب هذا النشو ، ومرجعه إلى كون نجاسة الملاقي ( بالكسر ) معلول نجاسة الملاقى ( بالفتح ) وكان هو مؤثرا فيه ، لا أنه حكم مجعول مستقل في قباله ، نظير نجاسة الكلب في قبال الخنزير ، غاية الأمر مشروطا بالملاقات لا مطلقا . الثالث : كون نجاسة الملاقي ( بالكسر ) مرتبة من مراتب نجاسة الملاقى ( بالفتح ) وكونه مقام سعة هذه النجاسة بلا اعتبار سببية ومسببية بينهما ، وأن اختلاف مراتب النجاسة سعة وضيقا بازدياد معروضه وقلته الناشئة من اتصال أحد الجسمين بالآخر وعدمه . ولكن لا يخفى أن الوجه الآخر لا أظن التزامه من أحد ، إذ مع التزامهم بأن الشك في أحدهما مسبب عن الشك في الآخر - كما يشهد لذلك التزامهم بعدم معارضة أصالة الطهارة في الملاقي ( بالكسر ) مع استصحاب النجاسة في الملاقى ( بالفتح ) لان التعبد بالنجاسة لا يقتضي السراية التي من اللوازم العادية الواقعية - لا يناسب مثل هذا الوجه ، إذ مرجعه إلى كون نجاسة الملاقي ( بالكسر ) من مراتب نجاسة الملاقى ( بالفتح ) سعة وضيقا ، وهذا المعنى يناسب وحدة نجاستهما مرتبة ، مع أنه لا يناسب التعبير في النصوص بأنه " ينجسه " أو لا " ينجسه " إذ الظاهر من هذا التعبير نظير التعبير بقوله : " يحركه العواصف " كونه منشأ له ، لا أنه من مراتب وجوده كطول الحظ بالنسبة إلى ذاته ، فإنه لا يكون إلا في رتبة نفسه لا في رتبة متأخرة عنه ، كما أنه لا مجال أيضا من الالتزام بأنه مجعول مستقل قبال نجاسة الملاقى ( بالفتح ) بتعبد من الشرع ، إذ هو أيضا خلاف ارتكاز أذهانهم في التنجيسات العرفية وقذاراتهم ، بل خلاف ظاهر النص من قوله - عليه السلام - " لا ينجسه " أو " ينجسه " إذ الظاهر منه أن نجاسة المتنجسات من قبل ما لاقاها ، لا أنه موضوع مستقل كالكلب في قبال الخنزير ، وكلماتهم أيضا في وجه عدم سراية النجاسة إلى الماء العالي الوارد أيضا يأبى عن ذلك ويناسب مع ما ذكرناه ، فحينئذ المتعين من مجموع الكلمات والنصوص هو الوجه الثاني . والظاهر أيضا ان غرضهم من السراية أيضا هذا المعنى ، نظير تعبيرهم من سراية حركة اليد إلى المفتاح ، لا أن الغرض من السراية انبساط وجود النجاسة في الموضوعين في رتبة واحدة ، وحيث كان الامر كذلك ، فليس مبنى عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي ( بالكسر ) منحصرا بجعل النجاسة حكما مجعولا مستقلا تعبدا ، قبال جعل نجاسة الملاقى ( بالفتح ) بل لو بنينا على السراية بالمعنى الثاني - نظير سراية الحركة من اليد إلى المفتاح - كان للسراية وجه . نعم : لو بنينا على السراية بالمعنى الأخير لا مجال للسراية ، وذلك أيضا لا لما أفيد : من أن العلم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) وطرفه يكفي في وجوب الاجتناب عن ملاقيه كيف ! ومن قبل هذا العلم لا يترتب إلا ما علم وجوده وتنجز معلومه لا شئ آخر ، بل من جهة كونه طرف العلم بوجود التكليف في طرف وتكليفين عرضيين في طرف آخر . ولكن قد عرفت : أن السراية بهذا المعنى مما لم يلتزم به أحد ، بل كلماتهم مشحونة على السراية بالمعنى الذي نحن شرحناه ، إذ حينئذ لا مجال لتنجز التكليف بالملاقي ( بالكسر ) لان علمه في طول العلم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) وهذا العلم غير صالح للتنجز باعترافه ، كما لا يخفى ، فتدبر .