تقرير بحث النائيني للكاظمي

32

فوائد الأصول

والحاصل : أن مجرد عدم صحة الجمع في إجراء الأصلين المتعارضين لا يوجب الحكم بالتخيير بينهما ، فان الحكم التخييري كسائر الاحكام يحتاج إلى قيام الدليل عليه . وقياس باب الأصول العملية بباب الامارات على القول بالسببية فيها ليس في محله ، لما عرفت من أن التخيير في العمل بإحدى الامارتين المتعارضتين على ذلك القول إنما هو لأجل أن المجعول في الامارات يقتضي التخيير في صورة التعارض لاندراجها في باب التزاحم الذي قد عرفت أن التخيير فيه ينشأ من ناحية المجعول ، بالبيان المتقدم ، وأين هذا من باب الأصول العملية المجعولة وظيفة للشاك في الحكم أو الموضوع ؟ . فظهر : أن القول بالتخيير في إجراء أحد الأصلين المتعارضين مما لا دليل عليه ، وإنما أطلنا الكلام في ذلك ، لان شبهة التخيير قد غرست في أذهان بعض طلبة العصر ، وبعد البيان المتقدم لا أظن بقاء الشبهة في الأذهان ( 1 ) وسيأتي في آخر الاستصحاب مزيد توضيح لذلك . فتحصل مما ذكرنا : أن القاعدة في مورد تعارض الأصول تقتضي السقوط ، ويبقى التكليف المنجز المعلوم بالاجمال على حاله ( 2 ) والعقل يستقل بوجوب

--> ( 1 ) أقول : ولكن لاكل ما يتمنى المرء يدركه ! إذ قد تقدم بطلانه بما لا مزيد عليه . ( 2 ) أقول : بعدما كان العلم الاجمالي في ظرف عدم الانحلال لا قصور في سببيته ، لاشتغال ذمة المكلف بالمعلوم ، وفي هذه المرحلة لا يكون قابلا لمنع المانع بشهادة ارتكاز الذهن من التناقض بين الالزام المعلوم وترخيصه على ترك هذا المعلوم بنحو الاجمال ، بعين التناقض الذي يرى العقل في هذا الترخيص في العلم التفصيلي ، فلا محيص من الالتزام بأن العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي علة تامة للاشتغال . ولئن شئت فعبر بأن حكم العقل بثبوت التكليف في عهدة المكلف حكم تنجيزي غير قابل لورود ترخيص شرعي مانع عن أصل الاشتغال ، كما هو الشأن في العلم التفصيلي ، وحيث ثبت به الاشتغال المزبور ، ينتهي النوبة إلى مرحلة الفراغ ، وفي هذه المرحلة أيضا نقول : إنه لا شبهة في اكتفاء العقل بالفراغ الجعلي ، كما هو الشأن في العلم التفصيلي ، وحينئذ فكل أمارة أو أصل يوجب تعيين مصداق التكليف الموجب لكونه مصداقا جعليا يكتفى به ، كما هو الشأن في العلم التفصيلي أيضا ، فلا إشكال ولا شبهة في هذا المقدار . وإلى مثله يرجع موارد الاكتفاء بجعل البدل في أطراف المعلوم بالاجمال ، ففي الحقيقة مرحلة جعل البدل يرجع إلى التصرف في مرحلة الفراغ ، سواء تحقق بعد العلم أو قبله أو مقارنه ، بخلاف مرحلة الانحلال ، فإنه - كما حققناه في محله - تصرف في مرحلة الاشتغال ، ولا يوجب منعا عنه ، إلا في ظرف تقارنه مع العلم لا تقدمه أو تأخره ، وتمام الكلام في محله . والغرض في المقام الإشارة الاجمالية بالفرق بين مقام جعل البدل وبين مرحلة الانحلال ، وأن أحدهما غير مرتبط بالآخر . وبالجملة : لا كلام لنا في هذا المقدار ، وإنما الكلام وعمدة الاشكال في صورة عدم اقتضاء أصل أو أمارة لتعين مصداق المأمور به الذي نسميه بالفراغ الجعلي ، وكنا ممحضا بفرض الشك في الفراغ في ظرف تحقق الاشتغال بأن في هذه الصورة هل للشارع أن يرخص بالارتكاب واكتفاء بمحض الشك في الفراغ أم ليس له ذلك ؟ . وبعبارة أخرى : تمام الكلام في أن حكم العقل في ظرف الاشتغال بتحصيل القطع بالفراغ هل هو حكم تنجيزي ؟ أو تعليقي ؟ فعلى الثاني يلزم إمكان مجئ الترخيص بالاكتفاء بالمشكوك حتى في العلم التفصيلي ، وإلا فلو كان حكم العقل المزبور تنجزيا فلا يعقل الترخيص في بعض أطراف العلم الاجمالي ، ولو بلا معارض ، وحينئذ مركز الكلام من حيث إمكان جريان الأصل في أحد الطرفين في هذه الصورة ، وإلا ففي فرض الانحلال أو جعل البدل بالمعنى المزبور فلا إشكال من أحد فيه ، إذ محط البحث بعد ثبوت الاشتغال بالعلم الاجمالي من دون وجود مانع فيه في هذه المرتبة وبعد عدم دليل يدل على تعين مصداق المأمور به الذي يعبر عنه بالفراغ الجعلي وبجعل البدل . يبقى الكلام في أنه هل يجوز للشارع أن يرخص في ارتكاب ما هو مشكوك المصداق ؟ كي يكون حكم العقل بتحصيل الجزم به حكما تعليقيا قابلا لمنع المانع ، أو أن هذا الحكم العقلي أيضا تنجيزي غير قابل لورود الترخيص على خلافه ؟ كي يلزمه عدم جريان الأصل في أحد الطرفين ولو بلا معارض ، وحيث عرفت محط الاشكال فليس لك الاستشهاد للجريان بمسألة جعل البدل وموارد الانحلال ، إذ تمام الكلام بعد الفراغ عن أصل الاشتغال وعدم العلم بالمصداق ولو جعليا وكان الشك ممحضا بالشك في المصداق والفراغ ، فإذا كان الامر كذلك فنقول : إنه لا يتم جريان الأصل المزبور إلا مع الالتزام بتعليقية حكم العقل بالفراغ اليقيني عند الاشتغال اليقيني بالتكليف ، وإلا فمع فرض تنجيزيته لا يبقى مجال جريان الأصل ولو بلا معارض ، وإن كانت مرتبة الحكم الظاهري فيه محفوظا . وعليه نقول : لا شبهة ولا ريب في تنجيزية حكم العقل المزبور ، كما هو الشأن في العلم التفصيلي ، إذ لم يكتف أحد باتيان العمل مع الشك في تحققه ؟ مع كونه معنا بسيطا ، فضلا عما لو كان مقيدا أو مركبا مع الشك في تحقق شرطه أو جزئه ، بعد الفراغ عن أصل الشرطية والجزئية حكما . وتوهم أن الأصل لا يقتضي الاكتفاء به لعدم عموم يجري فيه بخلاف العلم الاجمالي ، مدفوع : بأنه يكفي فيه عموم " حديث الرفع " الشامل لرفع استحقاق المؤاخذة على ترك الموافقة المشكوكة أو المخالفة الغير المعلومة المستتبع إنا للترخيص على تركه المانع عن حكم العقل الملزم بعدم الاكتفاء بالمشكوك ، وهكذا بقية الأصول الجارية في الترخيص على ترك مشكوك الوجوب . ولعمري ! انه لا يرفع هذه الغائلة إلا تنجيزية حكم العقل بالفراغ وعدم الاكتفاء بالمشكوك على وجه لا يبقى محال الجريان لهذه الأصول ، وإذا كان كذلك ، فنقول : بعين هذا الوجه الذي لا يجري الأصول في فرض الشك في الفراغ في العلم التفصيلي لا يجري هذه الأصول في فرض الشك في الفراغ بعد ثبوت الاشتغال في العلم الاجمالي أيضا ، لان تنجيزية حكم العقل في تحصيل الجزم بالفراغ لا يفرق بين العلم الاجمالي والتفصيلي ، كما هو واضح .