الشيخ محمد رضا النعماني

121

الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار

يصلي وهو في حالة من الانقطاع والخشوع العجيبين وكأنه لم يكن على موعد مع أحد . وكنت فيما سبق من الأيام أتربّص الفرص لاصلّي خلفه جماعة في البيت ، فكان في أحيان كثيرة يجلس في مصلاه فكنت أجلس خلفه ، وقد دخل وقت الصلاة ، بل قد يمضي على دخول وقتها أكثر من نصف ساعة والسيد الشهيد جالس مطرق برأسه يفكّر ، ثم فجأة ينهض فيؤدي الصلاة . هذه الأمور وغيرها دفعتني في يوم من الأيام للاستفسار منه عن سبب هذه الظاهرة ، فقال : ( إنّي آليت على نفسي منذ الصغر أن لا اصلّي إلا بحضور قلب وانقطاع ، فأضطر في بعض الأحيان إلى الانتظار حتّى أتمكن من طرد الأفكار التي في ذهني ، حتّى تحصل لي حالة الصفاء والانقطاع ، وعندها أقوم للصلاة ) . ولم تكن هذه الحالة خاصّة بالصلاة فقط ، بل كانت تمتدّ إلى كلّ أشكال وصور العبادة الأخرى ، ولقد سمعته خلال فترة الحجز - ولم أسمعه قبل ذلك - يقرأ القرآن في أيام وليالي شهر رمضان بصوت حزين وشجي ، ودموع جاريّة ، يخشع القلب لسماعه ، وتسمو النفس لألحانه ، وهو في حالة عجيبة من الانقطاع والذوبان مع معاني القرآن ، إنّه مشهد عجيب يعجز القلم عن وصفه ، وما فيه من معنويات كبيرة . ومن المشاهد الخالدة في ذاكرتي والتي تتعلّق بهذا الموضوع ما حدث في سفرنا لأداء العمرة قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقليل ، فقد كان يذهب إلى المسجد الحرام يصلّي الظهر والعصر ، ثم يعود إلى الفندق لتناول وجبة الغداء ، ثم يعود مرّة أخرى في حدود الساعة الثانية ظهرا إلى المسجد حيث يقل الزحام بسبب شدة الحر وكانت أرض المسجد الحرام مغطّاة بالمرمر الطبيعي - وهو غير المرمر الموجود حاليا - فكان لا يتمن أحد من شدّة الحر من الطواف في تلك الفترة ،