تقرير بحث النائيني للكاظمي
55
فوائد الأصول
وأما في دعواه الثانية : من أن العلم بحرمة ما يكون واجبا مغير لجهة قبح التجري . ففيها أنه لو سلمنا اختلاف قبح التجري بالوجوه والاعتبار ، ولكن الجهات المغيرة للحسن والقبح لابد وأن تكون ملتفتا إليها ، لما تقدم من أن العلم في باب الحسن والقبح العقلي له جهة موضوعية ، ولا يمكن أن يكون الشئ قبيحا عقلا بلا أن يكون الموجب للقبح ملتفتا إليه ( 1 ) فالكذب الذي يتوقف عليه إنجاء البنى قبيح إذا لم يلتفت إلى التوقف ، والصدق الموجب لهلاك البنى حسن إذا لم يلتفت إلى ذلك ، وباب الحسن والقبح غير باب المصلحة والمفسدة التي لا دخل للعلم بها ، فمجرد كون الفعل المتجرى به ذا مصلحة واقعا لا يوجب تغيير قبح التجري بعد ما لم تكن المصلحة معلومة ولم يكن المكلف ملتفتا إلى وجوبه ، ففي مثل هذا قبح التجري يكون على حاله ، كما هو واضح . وأما ما في دعواه الثالثة : من أن التجري لو صادف المعصية يتداخل عقابه ، ففيها أن التجري لا يعقل أن يجتمع مع المعصية حتى يتداخل العقاب ، بل التجري في طرف النقيض للمعصية ، إذ قوام التجري هو عدم المصادفة ومخالفة الواقع ( 2 ) كما أن قوام المعصية هو المصادفة للواقع ، فكيف يجتمع التجري
--> ( 1 ) أقول : ما أفيد صحيح بالنسبة إلى العامل . وأما بالنسبة إلى سائر الأنظار الملتفتين إلى الجهتين ، فلا قصور في اختلاف الجهات المحسنة والمقبحة من هذه الجهة . نعم : الأولى الاقتصار إلى الجهة الأولى ، فتدبر . ( 2 ) أقول : الذي به قوام التجري صدق إبراز الجرئة على المولى مع عدم صدق العصيان عليه ، وهذا المعنى ربما يتحقق ولو بايجاد مقدمة من المقدمات حتى عزمه على العصيان ، ومن المعلوم : أن هذه المقدمات غير نفس العصيان سواء صادف معه أم لا ، وليس من مقوماته عدم مصادفة هذه المقدمات مع العصيان . وحينئذ لا قصور في اجتماع التجري مع العصيان في جميع موارد العصيان . نعم : قد يتحقق بلا عصيان ، فتكون دائرة التجري أوسع من العصيان لا مبائنا معه موردا . نعم : يباينه في الوجود ، فإن العصيان بنفسه غير التجري ، فهو لا يجتمع معه حتى موردا ، كما لا يخفى . وحينئذ الذي يرد عليه : هو أن موضوع القبح لو كان هذا العنوان المقابل للعصيان لا موجب لتداخل عقابها . نعم : لو كان صادقا حتى على نفس العصيان فعقابهما يتأكد لا أنه يتداخل ، ولكنه أيضا كما ترى ! . نعم : بناء على التحقيق - كما أشرنا إليه - من أن موضوع القبح مطلق الطغيان الجامع بينهما ، لا بأس بالالتزام بأن الطغيان شخص واحد لا يكون إلا عقابا واحدا ، فإن أراد من التداخل هذا فلا بأس به ، فتدبر .