السيد عبد الله الجزائري
222
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية
يطمع غيره في ذلك وأيضا الأمور الإلهية لا نهاية لها وانما ينكشف على العارف بعضها والبواقي مستورة عنه مجهولة عنده وهو يعلم وجودها ويتوق إلى معرفتها فلا يزال ينبعث قصده إلى استيضاح ما لم يتضح من المطلوب واستكمال الوضوح في ما اتضح منه اتضاحا ما وينزعج قلبه لذلك ويهيج اليه كما قال تعالى نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا . وهذا هو الشوق وفي مناجاة داود عليه السلام انه شمس خزانة اللَّه سبحانه وهي القلب وإذا غلب عليه الشعف . بمطالعة ما حضره واتضح له من الجمال المكشوف غير ملتفت إلى ما ورائه مما هو مغيب عنه استبشر القلب بما يلاحظه وسكن اليه وهذا هو الانس وفي حديث مجاشع ان الطريق إليه الوحشة من النفس . وإذا غلب الانس ودام واستحكم ولم يشوشه قلق الشوق ولم ينغصه خوف البعد والحجاب أثمر ذلك نوعا من الخلاعة في الأقوال والأفعال والمناجاة مع اللَّه وهذا هو الانبساط وقد يكون منكرا بحسب الصورة لما فيه من رائحة الجرأة وقلة الهيبة وسوء الأدب ولكنه محتمل ممن أقيم مقام الانس كقول موسى عليه السلام إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ . ومن لم يقم في ذلك المقام وأحب التشبه بهم في الفعل والكلام أدب على ذلك وغلظ عليه بما يليق كما غلظ على يونس عليه السلام لما أقيم مقام القبض والهيبة فأدب بالسجن في بطن الحوت في ظلمات ثلث إلى أن نادى لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ونهى نبينا صلى اللَّه عليه وآله ان يقتدى به فقيل له فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ . والجالس على بساط الانبساط موف بما سبق في الأزل من العهد القديم الذي بينه وبين الحق سبحانه في قوله أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى . وهو القرب والطريق اليه التباعد عن النفس كما في الحديث المذكور والقريب يلاحظ وجوده متصلا بالوجود الإحدى بقطع النظر عن تقييد وجوده بعينه وإسقاط إضافته إليه فيرى اتصال مدد الوجود ونفس الرحمن اليه على الدوام بلا انقطاع حتى يبقى موجودا به وهذا هو الاتصال وحينئذ لا فرق بينه وبين حبيبه كما في حديث [ 1 ] أمير المؤمنين عليه السلام ان للَّه تعالى شرابا لأوليائه إذا شربوا سكروا وإذا سكروا طربوا وإذا طربوا طابوا وإذا طابوا ذابوا وإذا ذابوا خلصوا وإذا خلصوا طلبوا وإذا طلبوا وجدوا وإذا وجدوا وصلوا وإذا وصلوا اتصلوا وإذا اتصلوا لا فرق بينهم وبين حبيبهم . وهو من محال الغرور ومظان التلبيس والحازم لا يغير بخداع
--> [ 1 ] رواه المصنف في الحقائق م