السيد عبد الله الجزائري

208

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

في قول إبراهيم عليه السلام بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ . وقول يوسف عليه السلام إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ . اى سرقتم يوسف من أبيه وكانا يريدان الإصلاح كما ورد ويأتي لهذا تتمه في باب الكلام والآخر رعايته معه تعالى في الألفاظ التي يناجيه بها فمن قال وجهت وجهي للّه والمتمكن في قلبه سواه أو قال إياك نعبد أو انا عبدك وهو يعبد الدنيا فهو كاذب في دعواه إذ التوجه ليس الا انصراف وجه القلب إلى الشيء ويمتنع ذلك الا بعد تفريغه عن غيره والعبادة هي التذلل والانقياد وفي الحديث من أصغى إلى ناطق فقد عبده . ما لمتقيد بالدنيا المتذلل لها عابد لها الا للَّه والعبودية هي تصحيح النسبة إلى المولى بصدق القصد إليه في سلوك طريقه فالمصحح نسبته إلى الدنيا عبد لها وانما عبده اللَّه من تحرر عن قيد الدنيا واستخلص نفسه للَّه عز وجل ومن ثم كان كثيرا يخاطب عيسى عليه السلام أصحابه بقوله يا عبيد الدنيا . وعن النبي صلى اللَّه عليه وآله [ 1 ] تعس [ 2 ] عبد الدينار وتعس عبد الدرهم وعبد الحلة [ 3 ] وعبد الخميصة . ثم الصدق في النية كما مرت الإشارة إليه بتمحيضها له عز وجل وهو الإخلاص فالشوب يفوته يقال رمان صادق الحلاوة اى محضها غير مشوبة حلاوته بشيء من الحموضة ثم الصدق في العزم وهو جزم قوى على الخير في زمان مستقبل عند التمكن من سببه كالتصدق والعدل ان نال مالا أو ولاية فهذه العزيمة قد يصادفها تصميم ورسوخ وربما يكون فيها نوع ميل وتردد وضعف فالصدق هنا عبارة عن التمام والقوة كما يقال لفلان شهوته صادقة ويقال هذا المريض شهوته كاذبة مهما لم تكن شهوته عن سبب ثابت قوى ثم الصدق في الوفاء بالعزم فالنفس قد تسمح بالعزم في الحال إذ لا مشقة فيه والمؤنة فيه خفيفه فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن وهاجت الشهوات انحلت العزيمة وغلبت الشهوة فتبرد النفس وتفتر رغبتها إلى الموعود وتتوانى بالوفاء فتخلف كما قال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ . ومدح الموفين بقوله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا . ثم الصدق في العمل وهو تسوية السر والعلانية بأن يجتهد حتى لا تدل اعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به لا بان يترك

--> [ 1 ] في المصابيح من الصحاح م [ 2 ] اى انكب وعثر [ 3 ] الحلة بالضم إزار ورداء برد أو غيره ولا يكون حله الا من ثوبين أو ثوب له بطانة كذا في القاموس وفيه الخميصة كساء اسود مربع له علمان م