السيد عبد الله الجزائري

194

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

والزلفى اليه جل شأنه فإن السجود مثلا لم يقصد من حيث إنه وضع للجبهة على الأرض بل لأنه يؤكد صفة التواضع في القلب ويؤثر فيه بالعبودية المقربة إليه سبحانه كما قال اللَّه تعالى لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ . إذ كان العرب في الجاهلية يلطخون حيطان الكعبة بدماء القرابين فلما حج المسلمون هموا بمثل ذلك فنبههم اللَّه بان المقصود من القربان ليس اللحوم والدماء ولا هما مما يوجب الوصلة إليه سبحانه ومناولة قربه ورضاه وانما الموجب لها التقوى التي هي من أفعال القلوب ومن ثم أضيفت إليها في قوله عز وجل وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ . والمراد ميلها عن حب الدنيا وبذلها إيثار الوجه اللَّه وهو الغرض المقصود من القربان وهذا التأثر قد يحصل عند جزم النية والهم وان عاق عن العمل عائق وانما الإتيان به يزيده تأكيدا ورسوخا وفي أسرار الأحكام الشرعية لمن عقلها شواهد متواردة على أصالة القصد وتبعية العمل له في الحكم ا لا ترى إلى اثم المجامع امرأته المباحة على قصد انها غيرها فإنه في حكم الزاني بخلاف المجامع غيرها على قصد أنها امرأته فإنه لا اثم عليه فانظر كيف انقلب الحلال حراما والحرام حلالا بسبب النية بل الفعل الواحد يكون طاعة ومعصية بالنية كلطم اليتيم للتأديب أو للتعذيب وفي الحديث ان رجلين قدما إلى خراسان فسألا الرضا عليه السلام عن صلاتهما في الطريق فقال لأحدهما كان يجب عليك القصر لأنك قصدتني وعلى صاحبك التمام لأنه قصد السلطان . وما ذكر من الوجهين من أوجه ما قيل في حل الحديث وعن أبي عبد اللَّه عليه السلام وقد سئل كيف تكون النية خيرا من العمل قال لان العمل ربما كان رئاء للمخلوقين والنية خالصة لرب العالمين فيعطى عز وجل على النية ما لا يعطى على العمل . الحديث واليه يرجع ما قيل إن طبيعة النية خير من طبيعة العمل وفيه صراحة في معنى التفضيل وسقوط ما قيل من حمل الخير على الصفة المشبهة والمراد انها من جملة اعماله التي يثاب عليها وعن أبي جعفر وأبى عبد اللَّه عليهما السلام ان النية أفضل من العمل . واما الإيراد بأن النية من أفعال القلوب فلا تكون عملا لأنه مختص بالعلاج فهو كما ترى وتمام الكلام في حاشية الأربعين وإذ قد عرفت ان النية هي القصد المخصوص المحرك إلى العمل فاعلم أنه لا يخلو عن قسمين خالص ومشوب لان الباعث المنهض لآلات القدرة إما أمر واحد بسيط وهو الخالص ويسمى العمل الصادر عنه إخلاصا بالإضافة إلى الغرض المتصور لا لقيام للإكرام الصادر ممن دخل عليه مستحقه بزعمه واما متعدد