السيد عبد الله الجزائري

173

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

فهو الأصلح بحاله في الحال أو في المال أو فيهما جميعا فان اللَّه لا يفعل بعباده الا الأصلح لهم كما سبق وان لم يبلغ علمه بسره كالصبي الذي يحميه والده الحاذق الشفيق عن بعض مشتهياته ويذيقه حر الكي وألم الختان شفقة عليه واستصلاحا لشأنه وان يعلم أن ما قضى اللَّه لا مدخل للهم والاعتراض والسخط فيه ولا يتبدل القضاء به فان ما قدر يكون لا محالة وما لم يقدر لم يكن كما دلت عليه أدلة العقل والنقل وحسرة الماضي وتدبير الآتي على وجه ينافي الرضا يذهبان ببركة الوقت وثواب الرضا بلا فائدة وتبقى تبعه السخط عليه وعن أبي ( الكافي ) جعفر عليه السلم من رضى بالقضاء اتى عليه القضاء وعظم اللَّه اجره ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط اللَّه اجره . فان قلت المتصور في المصائب والشدائد الصبر دون الرضا فان الرضا بما يخالف الهوى مما لا تقبله العقول وما نفقه كثيرا مما تقول قلت بل ينبغي ان تتلقاه بالقبول وقد سبقك إلى هذه الشبهة من اتى من ناحية إنكار المحبة فاما إذا ثبت تصور الحب للَّه تعالى واستغراق الهم به جل جلاله فظاهر ان الحب يورث رضا المحب بأفعال الحبيب ويكون ذلك على وجهين أحدهما وهو الأعلى أن يدهشه غلبة الحب من الإحساس بالألم حتى يجرى عليه المولم ولا يشعر به كما يعرض هذا الحال للعاشق المستولي على قلبه سلطان الحب فإنه ينبهر عن الشعور بما يصيبه من الآلام كما أخبر اللَّه عن حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند الاستهتار بمشاهدة جمال يوسف وعن سمنون المحب قال كان في جيراننا رجل له جارية يحبها غاية الحب فاعتلت الجارية وكان الرجل يعللها فنصب القدر يوما ليصلح لها طعاما وكان يسوط ما في القدر بملعقة في يده إذ أنت الجارية فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده وجعل يسوط القدر بيده حتى تساقطت أصابعه وهو لا يعقل وإذا كان يصدق بهذا وأمثاله في عشق الصور الجميلة بما فيها فالتصديق به في عشق الجمال المطلق لمن انكشف له شيء منه أولى خصوصا إذا كان المولم من جهة المعشوق فإنه أعذب والرضا به أبرد على الفؤاد وأطيب وقد تقدم كلام سهل ضرب الحبيب لا يوجع وكذا الحريص على تحصيل شيء من المقاصد الجزئية الدنيوية ربما يصيبه أنواع الأذى في طلبه وهو لا يحس بها وإنكار ذلك مكابرة وكلما كان المقصود أعظم وعلاقة القلب به أتم كان احتمال المشاق في تحصيله أسهل والقلب عن إدراكها أذهل وهو تعالى غاية المقاصد وان إلى ربك المنتهى ولأصل في ذلك ما سبق في باب الصبر من أن استهتار النفس بشيء كائنا