السيد عبد الله الجزائري
135
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية
أو يزعج أولئك عن أوطانهم إلى وطنه ويحتاج إلى الاستعانة بهم وهذا وهو السبب في حب المال والجاه المقصودين لغيرهما واما الثاني فهو استدعاء الطبع الكمال وهذا هو السبب في القسم المحبوب بالذات منهما وذلك لتحقق الطبع الربوبي المقتضى للكمال في الإنسان كالسبعى والبهيمي والشيطاني فكما ان الطبع السبعي فيه يستدعي رغبته في الظفر والغلبة والبهيمي الأكل والنكاح والشيطاني الجربزة والخديعة وان كانت الطباع متفاوتة في هذه المقتضيات كذلك يستدعي الطبع الربوبي الرغبة في مقتضاه وهو الكمال المطلق وإذ يمتنع عليه درك منتهى الكمال لا يسقط شوقه إلى القدر الممكن منه فهو طالب له ملتذ بقدر ما يناله منه لذاته لا لمعنى أخر وراء الكمال فيحب الاستيلاء على الموجودات لأنه غاية ماله القدرة عليه من كمال الربوبية وتختلف مراتبه باختلاف أحوال الموجودات وأبلغها الاستيلاء بالاسترقاق والتملك ان أمكن كما في الأجساد الأرضية وهي البسيطة بما عليها من المعدن والنبات والحيوان وغيرها وهي متفاوتة في مراتب العزة والنفاسة ونقيضيهما تفاوتا عريضا وتختلف درجات الشوق إلى تملكها والإحاطة بها بحسب ذلك ثم الاستيلاء بالاستماله كما في القلوب فإنها ضرب من ضروب التملك به يسترق الأحرار كما عرفت وكلما كان الحر أجل قدرا وأوقع محلا كانت العناية باستمالة قلبه أكثر ثم بالاطلاع والإحاطة العلمية كما في السماويات من الأجرام والأوضاع وعالم الملكوت وما فيه من اسرار القدرة وكذا ذات اللَّه وصفاته وعجائب عالم الملك من الجبال والبحار بما فيهما وغير ذلك فان النفس تلتذ بالعلم بها لان المعلوم المحاط به كالداخل تحت القدرة والعالم كالمستولى عليه والاستيلاء كيف كان كمال محبوب بالطبع وعلاجه عدة أمور علمية وعملية فالعلميه ذكر افات الدنيا وكثرة تقلبها بأهلها لا سيما ذوي الجاه فان أعظمهم الملوك وهم أشفق الناس قلبا وأكثرهم قلقا وأقلهم أمنا لأنهم مقصودون بالأذى من إخوتهم وأولادهم وأخص خواصهم وأقاربهم فضلا عن الأباعد وقد عاصرنا فيما مضى من عمرنا وهو دون الخمسين سنه بضعة عشر ملكا في قطرنا كل واحد منهم جالوت زمانه لم يمت أحد منهم على فراشه حتف أنفه إلا قتلا بالسيف في أسوأ حال على أيدي أراذل الأرذال وهذه حال الدنيا وخساستها وانه لو كانت تسوى عند اللَّه جناح بعوضة لما سقى الكافر منها شربة ماء كما في المتفق عليه فكيف يرغب العاقل فيها وفي جاهها وانه كمال وهمي لا حقيقي وحسبانه كمالا وعقد القلب عليه من أغاليط