السيد عبد الله الجزائري

120

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

وفي الحديث ان رسول اللَّه صلى اللّه عليه وآله أخبر أمير المؤمنين عليه السلام بشهادته وانه تخضب هذه من هذه ثم قال له فكيف صبرك يا علي فقال ذاك مقام الشكر لا مقام الصبر . وانه لما أصيب على رأسه أهل فرحا فزت ورب الكعبة . وعلم مما ذكر ان مقام الرضا فوق مقام الصبر ومقام الشكر فوقهما وفي ذلك يقول القائل . وفوق مقام الصبر للمتصبر * مقام الرضا فالشكر للمتبصر ومن الصريح في الأول قوله صلى اللَّه عليه وآله أعبد اللَّه على الرضا فإن لم تسطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير . وهو انما ينال بالغيبة عن حظوظ النفس بالموت الإرادي والفناء في اللَّه كما ذكر والشهود معه تعالى وهو البقاء باللَّه والحياة الطيبة الموعودة في قوله عز وجل فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً . ويلزمه عدم التمييز بين الألم واللذة الحسيين لاستهتار القلب به تعالى الموجب لانقطاع الالتفات إلى ما سواه من المنافر والملائم وليس ذلك بمستنكر فان القلب إذا اقبل إلى شيء انصرف عن غيره وكلما كان تعلقه بما أقبل إليه أقوى كان إعراضه عما عداه أكثر وينبه عليه قوله تعالى ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ . والمشغوف بمغالبة العدو في الحرب ربما تصيبه الجراحات الهائلة وهو لا يشعر بها ولا يحس بألمها في حاله وقد قص اللَّه قصة النسوة مع يوسف وانه لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن اشتغالا بما بهرهن من النظر إلى جماله عما أصبن بأنفسهن من الجراحة وسيأتي لهذا تتمة في موضعها الأليق إنشاء اللَّه [ باب الحلم ] باب الحلم وهو لغة العقل والأناة وشرعا يطلق على ما يناسب الأول وهو المقابل بالسفه والثاني وهو الصبر على كظم الغيظ وهو رده باحتمال سببه وضده الغضب أو خفته كما تقدم وهو غليان دم القلب بهيجان الجزء الناري الكامن في الجبلة لدفع المؤذي قبل وقوعه ولطلب الانتقام والتشفي بعده فينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن كما يرتفع الماء الذي يغلى في القدر ومن ثم يحمر الوجه والعينان والبشرة بصفائها تحكي لون ما ورائها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها وذلك إذا استشعر القدرة على الدفع والانتقام فان غضب على المأيوس من القدرة عليه بهما تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار خوفا أو حزنا ومن ثم يصفر اللون وان كان على نظير يشك فيه تولد منه تردد بين انقباض وانبساط فيحمر تارة ويصفر أخرى والناس في هذا الخلق بحسب الجبلة الأولى على درجات ثلاث من التفريط والإفراط