الجصاص
611
أحكام القرآن
مطلب : في ذم الحجاج الظالم ولعمري إن أيام عبد الملك والحجاج والوليد وأضرابهم كانت من الأيام التي سقط فيها فرض الانكار عليهم بالقول واليد لتعذر ذلك والخوف على النفس ، وقد حكي أن الحجاج لما مات قال الحسن : " اللهم أنت أمته فاقطع عنا سنته فإنه أتانا أخيفش أعيمش يمد بيد قصيرة البنان والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله عز وجل ، يرجل جمته ويخطر في مشيته ويصعد المنبر فيهذر حتى تفوته الصلاة ، لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي ، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون لا يقول له قائل الصلاة أيها الرجل " ثم قال الحسن : " هيهات والله ! حال دون ذلك السيف والسوط " . وقال عبد الملك بن عمير : " خرج الحجاج يوم الجمعة بالهاجرة فما زال يعبر مرة عن أهل الشام يمدحهم ومرة عن أهل العراق يذمهم حتى لم نر من الشمس إلا حمرة على شرف المسجد ، ثم أمر المؤذن فأذن فصلى بنا الجمعة ، ثم أذن فصلى بنا العصر ، ثم أذن فصلى بنا المغرب ، فجمع بين الصلوات يومئذ " . فهؤلاء السلف كانوا معذورين في ذلك الوقت في ترك النكير باليد واللسان ، وقد كان فقهاء التابعين وقراؤهم خرجوا عليه مع ابن الأشعث إنكارا منهم لكفره وظلمه وجوره ، فجرت بينهم تلك الحروب المشهورة وقتل منهم من قتل ووطئهم بأهل الشام حتى لم يبقى أحد ينكر عليه شيئا يأتيه إلا بقلبه ، وقد روى ابن مسعود في ذلك ما حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا حجاج عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن عبد الله بن مسعود ، أنه ذكر عنده هذه الآية : ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال : لم يجئ تأويلها بعد ، إن القرآن أنزل حين أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ، وكان منه آي وقع تأويلهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنه آي وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير ، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة ، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب من الجنة والنار ، قال : فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا بالمعروف