الجصاص

607

أحكام القرآن

عن عمر قال : " تفقهوا قبل أن تسودوا " . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمعون في المسجد يتذاكرون حوادث المسائل في الأحكام ، على هذا المنهاج جرى أمر التابعين ومن بعدهم من الفقهاء إلى يومنا هذا . وإنما أنكر هذا قوم حشو جهال قد حملوا أشياء من الأخبار لا علم لهم بمعانيها وأحكامها فعجزوا عن الكلام فيها واستنباط فقهها ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " . وهذه الطائفة المنكرة لذلك كمن قال تعالى الله تعالى : ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) [ الجمعة : 5 ] . وقوله تعالى : ( إن تبد لكم تسؤكم ) معناه : إن تظهر لكم ، وهذا يدل على أن مراده فيمن سأل مثل سؤال عبد الله بن حذافة والرجل الذي قال أين أنا ، لأن إظهار أحكام الحوادث لا يسوء السائلين ، لأنهم إنما يسألون عنها ليعلموا أحكام الله تعالى فيها . ثم قال الله تعالى : ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) يعني : في حال نزول الملك وتلاوته القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يظهرها لكم وذلك مما يسوؤكم ويضركم . وقوله تعالى : ( عفا الله عنها ) يعني هذا الضرب من المسائل لم يؤاخذكم الله بها بالبحث عنها والكشف عن حقائقها . والعفو في هذا الموضوع التسهيل والتوسعة في إباحة ترك السؤال عنها ، كما قال تعالى : ( فتاب عليكم وعفا عنكم ) [ البقرة : 187 ] ومعناه : سهل عليكم . وقال ابن عباس : " الحلال ما أحل الله ، والحرام ما حرم الله ، وما سكت عنه فهو عفو " يعني تسهيل وتوسعة ، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم : " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " . قوله تعالى : ( قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) قال ابن عباس : " قوم عيسى عليه السلام سألوا المائدة ثم كفروا بها " . وقال غيره : " قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها " . وقال السدي : " هذا حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحول لهم الصفا ذهبا " . وقيل إن قوما سألوا نبيهم عن مثل هذه الأشياء التي سأل عبد الله بن حذافة ومن قال أين أنا ، فلما أخبرهم به نبيهم ساءهم فكذبوا به وكفروا . قوله تعالى : ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ) روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال : " البحيرة من الإبل يمنع درها للطواغيت ، والسائبة من الإبل كانوا يسيبونها لطواغيتهم ، والوصيلة كانت الناقة تبكر بالأنثى ثم تثنى بالأنثى فيسمونها الوصيلة يقولون وصلت اثنتين ليس بينهما ذكر ، فكانوا يذبحونها لطواغيتهم ، والحامي الفحل من الإبل كان يضرب الضراب المعدود فإذا بلغ ذلك يقال حمى ظهره فيترك