الجصاص
600
أحكام القرآن
ذكر الخلاف في ذلك قال أصحابنا : " لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك " ، وهو قول الثوري ، رواه عنه أبو إسحاق الفزاري . وقال ابن أبي ليلى : " لا بأس بأكل كل شئ يكون في البحر من الضفدع وحية الماء وغير ذلك " ، وهو قول مالك بن أنس ، وروي مثله عن الثوري ، قال الثوري : " ويذبح " . وقال الأوزاعي : " صيد البحر كله حلال " ، ورواه عن مجاهد . وقال الليث بن سعد : " ليس بميتة البحر بأس وكلب الماء والذي يقال له فرس الماء ، ولا يؤكل انسان الماء ولا خنزير الماء " . وقال الشافعي : " ما يعيش في الماء حل كله وأخذه ذكاته ، ولا بأس بخنزير الماء . واحتج من أباح حيوان الماء كله بقوله تعالى : ( أحل لكم صيد البحر ) وهو على جميعه ، إذ لم يخصص شيئا منه . ولا دلالة فيه على ما ذكروا ، لأن قوله تعالى : ( أحل لكم صيد البحر ) إنما هو على إباحة اصطياد ما فيه للمحرم ، ولا دلالة فيه على أكله . والدليل عليه أنه عطف عليه قوله : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) فخرج الكلام مخرج بيان اختلاف حكم صيد البر والبحر على المحرم . وأيضا فإن الصيد اسم مصدر ، وهو اسم للاصطياد وإن كان قد يقع على المصيد ، ألا ترى أنك تقول : " صدت صيدا " ؟ وإذا كان ذلك مصدرا كان اسما للاصطياد الذي هو فعل الصائد ، ولا دلالة فيه إذا أريد به ذلك على إباحة الأكل وإن كان قد يعبر به عن المصيد ، إلا أن ذلك مجاز ، لأنه تسمية للمفعول باسم الفعل ، وتسمية الشئ باسم غيره إنما هو استعارة . ويدل على بطلان قول من أباح جميع حيوان الماء قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أحلت لنا ميتتان ودمان : السمك والجراد " ، فخص من الميتات هذين ، وفي ذلك دليل على أن المخصوص من جملة الميتات المحرمة بقوله : ( حرمت عليكم الميتة ) [ المائدة : 3 ] هو هذان دون غيرهما ، لأن ما عداهما قد شمله عموم التحريم بقوله : ( حرمت عليكم الميتة ) [ المائدة : 3 ] وقوله تعالى : ( إلا أن يكون ميتة ) [ الأنعام : 145 ] وذلك عموم في ميتة البر والبحر . ومن أصحابنا من يجعل حصره المباح بالعدد المذكور دلالة على حظره ما عداه . وأيضا لما خصهما بالذكر وفرق بينهما وبين غيرهما من الميتات دل تفرقه على اختلاف حالهما ، ويدل عليه أيضا وقوله تعالى : ( ولحم الخنزير ) [ المائدة 3 ، البقرة : 173 ، النحل : 115 ] وذلك عموم في خنزير الماء كهو في خنزير البر . فإن قيل : إن خنزير الماء إنما يسمى حمار الماء . قيل له : إن سماه انسان حمارا لم يسلبه ذلك اسم الخنزير المعهود له في اللغة ، فينتظمه عموم التحريم . ويدل عليه حديث ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن عثمان قال : " ذكر طبيب الدواء عند النبي صلى الله عليه وسلم وذكر