الجصاص
597
أحكام القرآن
وكالتيمم والوضوء وما جرى مجرى ذلك . ولا نعلم خلافا في امتناع جواز الجمع بين الصيام والطعام في كفارة اليمين ، وأما العتق والطعام فإنما لم يجز الجمع لأن الله تعالى جعل كفارة اليمين أحد الأشياء الثلاثة فإذا أعتق النصف وأطعم النصف فهو غير فاعل لأحدهما فلم يجزه ، والعتق لا يتقوم فيجزي عن الجميع بالقيمة ، وليس هو مثل أن يكسو خمسة ويطعم خمسة فيجزي بالقيمة ، لأن كل واحد من هذين متقوم فيجزي عن أحدهما بالقيمة . فصل قوله تعالى : ( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل ) ينتظم الواحد والجماعة إذا قتلوا في إيجاب جزاء تام على كل واحد ، لأن " من " يتناول كل واحد على حياله في إيجاب جميع الجزاء عليه ، والدليل عليه قوله تعالى : ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ) [ النساء : 92 ] قد اقتضى إيجاب الرقبة على كل واحد من القاتلين إذا قتلوا نفسا واحدة ، وقال تعالى : ( ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ) [ الفرقان : 19 ] وعيدا لكل واحد على حياله . وقوله عز وجل : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) [ النساء : 93 ] وعيد لكل واحد من القاتلين ، وهذا معلوم عند أهل اللغة لا يتدافعونه ، وإنما يجهله من لاحظ له فيها . فإن قال قائل : فلو قتل جماعة رجلا كانت على جميعهم دية واحدة ، والدية إنما دخلت في اللفظ حسب دخول الرقبة . قيل له : الذي يقتضيه حقيقة اللفظ وعمومه إيجاب ديات بعدد القاتلين ، وإنما اقتصر فيه على دية واحدة بالإجماع ، وإلا فالظاهر يقتضيه ، ألا ترى أنهما لو قتلاه عمدا كان كل واحد منهما كأنه قاتل له على حياله ويقتلان جميعا به ؟ ألا ترى أن كل واحد من القاتلين لا يرث وأنه لو كان بمنزلة من قتل بعضه لوجب أن لا يحرم الميراث مما قتله منه غيره ؟ فلما اتفق الجميع على أنهما جميعا لا يرثان وأن كل واحد منهما كأنه قاتل له وحده ، كذلك في إيجاب الكفارة إذ كانت النفس لا تتبعض ، وكذلك قاتلوا الصيد كل واحد كأنه متلف للصيد على حياله ، فتجب على كل واحد كفارة تامة . ويدل عليه أن الله تعالى سمى ذلك كفارة بقوله : ( أو كفارة طعام مساكين ) وجعل فيها صوما ، فأشبهت كفارة القتل . فإن قال قائل : لما قال الله تعالى : ( فجزاء مثل ما قتل ) دل على أن الجزاء إنما هو جزاء واحد ولم يفرق بين أن يكونوا جماعة أو واحدا ، وأنت تقول يجب عليهم جزاءان