الجصاص
589
أحكام القرآن
تساوي ذلك قبل ورود الحكم بما وصفنا ، فإذا ورد في شئ منه كان حكما في جميعه ، ولذلك قال أصحابنا : إن حكم النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء صوم الآكل ناسيا هو حكم فيه ببقاء صوم المجامع ناسيا ، لأنهما غير مختلفين فيما يتعلق بهما من الأحكام في حال الصوم . وكذلك قالوا فيمن سبقه الحدث في الصلاة من بول أو غائط إنه بمنزلة الرعاف والقئ اللذين جاء فيهما الأثر في جواز البناء عليهما ، لأن ذلك غير مختلف فيما يتعلق بهما من أحكام الطهارة والصلاة ، فلما ورد الأثر في بعض ذلك كان ذلك حكما في جميعه وليس ذلك بقياس ، كذلك حكم قاتل الصيد خطأ . وأما مجاهد فإنه تارك لظاهر الآية ، لأن الله تعالى قال : ( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ) فمن كان ذاكرا لإحرامه عامدا لقتل الصيد فقد شمله الاسم ، فواجب عليه الجزاء ، ولا معنى لاعتبار كونه ناسيا لإحرامه عامدا لقتله . فإن قال قائل : نص الله تعالى على كفارة قاتل الخطأ فلم تردوا عليه قاتل العمد ، كذلك لما نص الله تعالى على قاتل العمد بإيجاب الجزاء لم يجز إيجابها على قاتل الخطأ . قيل له : الجواب عن هذا من وجوه ، أحدها : أن الله تعالى لما نص على حكم كل واحد من القتلين وجب استعمالهما ولم يجز قياس أحدهما على الآخر ، لأنه غير جائز عندنا قياس المنصوصات بعضها على بعض . ومن جهة أخرى أن قتل العمد لم يخل من إيجاب القود الذي هو أعظم من الكفارة والدية ، ومتى أخلينا قاتل الصيد خطأ من إيجاب الجزاء لم يجب عليه شئ آخر فيكون لغوا عاريا من حكم ، وذلك غير جائز . وأيضا فإن أحكام القتل في الأصول مختلفة في العمد والخطأ والمباح والمحظور ، ولم يختلف ذلك في الصيد ، فلذلك استوى حكم العمد والخطأ فيه واختلف في قتل الآدمي . قوله تعالى : ( فجزاء مثل ما قتل ) . اختلف في المراد بالمثل ، فروي عن ابن عباس : " أن المثل نظيره ، في الأروى بقرة وفي الظبية شاة وفي النعامة بعير " وهو قول سعيد بن جبير وقتادة في آخرين من التابعين ، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن والشافعي ، وذلك فيما له نظير من النعم ، فأما ما لا نظير له منه كالعصفور ونحوه ففيه القيمة . وروى الحجاج عن عطاء ومجاهد وإبراهيم في المثل أنه القيمة دراهم ، وروي عن مجاهد رواية أخرى أنه الهدي . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : " المثل هو القيمة ، ويشتري بالقيمة هديا إن شاء ، وإن شاء اشترى طعاما وأعطى كل مسكين نصف صاع ، وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوما " . قال أبو بكر : المثل اسم يقع على القيمة وعلى النظير من جنسه وعلى نظيره من النعم ، ووجدنا المثل الذي يجب في الأصول على أحد وجهين : إما من جنسه كمن