الجصاص

584

أحكام القرآن

قتلوا . وروى الزهري قال : أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة ، أن الجارود سيد بني عبد القيس وأبا هريرة شهدا على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر وأراد عمر أن يجلده ، فقال قدامة : ليس لك ذلك لأن الله تعالى يقول : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ) الآية ! فقال عمر : إنك قد أخطأت التأويل يا قدامة ، إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله تعالى عليك . فلم يحكموا على قدامة بحكمهم على الذين شربوها بالشام ، ولم يكن حكمه حكمهم ، لأن أولئك شربوها مستحلين لها ، ومستحل ما حرم الله كافر ، فلذلك استتابوهم . وأما قدامة بن مظعون فلم يشربها مستحلا لشربها ، وإنما تأول الآية على أن الحال التي هو عليها ووجود الصفة التي ذكر الله تعالى في الآية فيه مكفرة لذنوبه ، وهو قوله تعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) فكان عنده أنه من أهل هذه الآية وأنه لا يستحق العقوبة على شربها مع اعتقاده لتحريمها ولتكفير إحسانه إساءته . وأعاد ذكر الاتقاء في الآية ثلاث مرات والمراد بكل واحد منها غير المراد بالأخرى ، فأما الأول : فمن اتقى فيما سلف ، والثاني : الاتقاء منهم في مستقبل الأوقات ، والثالث : اتقاء ظلم العباد والإحسان إليهم . باب الصيد للمحرم قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد ) قيل في موضع " من " ههنا إنها للتبعيض ، بأن يكون المراد صيد البر دون صيد البحر وصيد الإحرام دون صيد الإحلال . وقيل إنها للتمييز ، كقوله تعالى : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) [ الحج : 30 ] وقولك : " باب من حديد " و " ثوب من قطن " . وجائز أن يريد ما يكون من أجزاء الصيد وإن لم يكن صيدا ، كالبيض والفرخ ، لأن البيض من الصيد ، وكذلك الفرخ والريش وسائر أجزائه ، فتكون الآية شاملة لجميع هذه المعاني ، ويكون المحرم بعض الصيد في بعض الأحوال وهو صيد البر في حال الإحرام ، ويفيد أيضا تحريم ما كان من أجزاء الصيد ونما عنه كالبيض والفرخ والوبر وغيره . وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى : ( تناله أيديكم ) قال : " فراخ الطير وصغار الوحش " . وقال مجاهد : " الفراخ والبيض " . وقد روي عن علي رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أعرابي بخمس بيضات فقال : إنما محرمون وإنا لا نأكل ، فلم يقبلها " . وروى عكرمة عن ابن عباس عن