الجصاص

577

أحكام القرآن

لأحد هذه الأشياء يكون عريانا غير مكتس ، وأما الإزار والقميص ونحوه فإن كل واحد من ذلك يعم بدنه حتى يطلق عليه اسم المكتسي ، فلذلك أجزأه . قوله تعالى : ( أو تحرير رقبة ) يعني عتق رقبة ، وتحريرها إيقاع الحرية عليها . وذكر الرقبة وأراد به جملة الشخص تشبيها له بالأسير الذي تفك رقبته ويطلق ، فصارت الرقبة عبارة عن الشخص ، وكذلك قال أصحابنا إذا قال : " رقبتك حرة " إنه يعتق ، كقوله " أنت حر " . واقتضى اللفظ رقبة سليمة من العاهات لأنه اسم للشخص بكماله ، إلا أن الفقهاء اتفقوا على أن النقص اليسير لا يمنع جوازها ، فاعتبر أصحابنا بقاء منفعة الجنس في جوازها وجعلوا فوات منفعة الجنس من تلك الأعضاء مانعا لجوازها . قوله تعالى : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) ، روى مجاهد عن عبد الله بن مسعود وأبو العالية عن أبي : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . وقال إبراهيم النخعي : في قراءتنا : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . وقال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وطاوس : " هن متتابعات لا يجزي فيها التفريق " . فثبت التتابع بقول هؤلاء . ولم تثبت التلاوة ، لجواز كون التلاوة منسوخة والحكم ثابتا ، وهو قول أصحابنا . وقال مالك والشافعي : " يجزي فيه التفريق " . وقد بينا ذلك في أصول الفقه . قوله تعالى : ( فكفارته إطعام عشرة مساكين ) يقتضي إيجاب التكفير مع القدرة مع بقاء الخطاب بالكفارة ، وإنما يجوز الصوم مع عدم المذكور بديا لأنه قال : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) فنقله عن أحد الأشياء الثلاثة إلى الصوم عند عدمها ، فما دام الخطاب بالكفارة قائما عليه لم يجزه الصوم مع وجود الأصل ، ودخوله في الصوم لم يسقط عنه الخطاب بأحد الأشياء الثلاثة . والدليل عليه أنه لو دخل في صوم اليوم الأول ثم أفسده وهو واجد للرقبة لم يجز الصوم مع وجودها ، فثبت بذلك أن دخوله في الصوم لم يسقط عنه فرض الأصل ، فلا فرق بين وجود الرقبة قبل الدخول في الصوم وبعده ، إذ كان الخطاب بالتكفير قائما عليه في الحالين . باب تحريم الخمر قال الله تعالى : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) . اقتضت هذه الآية تحريم الخمر من وجهين : أحدهما قوله : ( رجس ) لأن الرجس اسم في الشرع لما يلزم اجتنابه ، ويقع اسم الرجس على الشئ المستقذر النجس ، وهذا أيضا يلزم اجتنابه ، فأوجب وصفه إياها بأنها رجس لزوم اجتنابها . والوجه