الجصاص
571
أحكام القرآن
بينا أن الكفارة الواجبة بعد الحنث مرادة بالآية ، وإذا أريد بها الكفارة الواجبة امتنع أن ينتظم ما ليس منها لاستحالة كون لفظ واحد مقتضيا للإيجاب ولما ليس بواجب ، فمن حيث أريد بها الواجب انتفى ما ليس منها بواجب . وأيضا فقد ثبت أن المتبرع بالطعام ونحوه لا يكون مكفرا بما يتبرع به إذا لم يحلف ، فلما كان المكفر قبل الحنث متبرعا بما أعطى ، ثبت أن ما أخرج ليس بكفارة ومتى فعله لم يكن فاعلا للمأمور به ، وأما إعطاء كفارة القتل قبل الموت بعد الجراحة وتعجيل الزكاة قبل الحول ، فإن جميع ما أخرج هؤلاء تطوع وليس بكفارة ولا زكاة ، وإنما أجزناه لما قامت الدلالة أن اخراج هذا التطوع يمنع لزوم الفرض بوجود الموت وحؤول الحول . فصل ويحتج من يوجب على من عقد نذره بشرط كفارة يمين دون المنذور ، مثل قوله : " إن دخلت الدار فلله علي حجة أو عتق رقبة " أو نحو ذلك ، فحنث بظاهر قوله تعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ) وبقوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) ، قال : فلما كان هذا حالفا وجب أن يكون الواجب عليه بالحنث كفارة اليمين دون المنذور بعينه . وليس هذا كما ظن هذا القائل ، وذلك لأن النذر يوجب الوفاء بالمنذور بعينه وله أصل غير اليمين ، لقوله تعالى : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) [ النحل : 91 ] ، وقال تعالى : ( يوفون بالنذر ) [ الانسان : 7 ] ، وقال تعالى : ( أوفوا بالعقود ) [ المائدة : 1 ] ، وقال تعالى : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون [ التوبة : 76 ] ، فذمهم تعالى على ترك الوفاء بنفس المنذور ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من نذر نذرا لم يسمه فعليه كفارة يمين ، ومن نذر نذرا سماه فعليه الوفاء به " ، وكان قوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم ) في اليمين المعقودة بالله عز وجل ، وكانت النذور محمولة على الأصول الأخر التي ذكرنا في لزوم الوفاء بها . قوله تعالى : ( واحفظوا أيمانكم ) فقال قائلون : معناه احفظوا أنفسكم من الحنث فيها واحذروا الحنث فيها وإن لم يكن الحنث معصية . وقال آخرون : أقلوا من الأيمان ، على نحو قوله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) [ البقرة : 224 ] ، واستشهد من قال ذلك بقول الشاعر : قليل الألايا حافظ ليمينه * إذا بدرت منه الألية برت وقال آخرون : معناه راعوها لكي تؤدوا الكفارة عند الحنث فيها ، لأن حفظ الشئ