الجصاص

555

أحكام القرآن

مطلب : الكافر لا يكون وليا للمسلم وفي هذه الآية دلالة على أن الكافر لا يكون وليا للمسلم لا في التصرف ولا في النصرة ، ويدل على وجوب البراءة من الكفار والعداوة لهم ، لأن الولاية ضد العداوة ، فإذا أمرنا بمعاداة اليهود والنصارى لكفرهم فغيرهم من الكفار بمنزلتهم . ويدل على أن الكفر كله ملة واحدة ، لقوله تعالى : ( بعضهم أولياء بعض ) . ويدل على أن اليهودي يستحق الولاية على النصراني في الحال التي كان يستحقها لو كان المولى عليه يهوديا ، وهو أن يكون صغيرا أو مجنونا ، وكذلك الولاية بينهما في النكاح هو على هذا السبيل . ومن حيث دلت على كون بعضهم أولياء بعض فهو يدل على إيجاب التوارث بينهما ، وعلى ما ذكرنا من كون الكفر كله ملة واحدة وإن اختلفت مذاهبه وطرقه . وقد دل على جواز مناكحة بعضهم لبعض ، اليهودي للنصرانية والنصراني لليهودية . وهذا الذي ذكرنا إنما هو في أحكامهم فيما بينهم ، وأما فيما بينهم وبين المسلمين فيختلف حكم الكتابي وغير الكتابي في جواز المناكحة وأكل الذبيحة . قوله تعالى : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) يدل على أن حكم نصارى بني تغلب حكم نصارى بني إسرائيل في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن . وقوله : ( منكم ) يجوز أن يريد به العرب ، لأنه لو أراد المسلمين لكانوا إذا تولوا الكفار صاروا مرتدين ، والمرتد إلى النصرانية واليهودية لا يكون منهم في شيء من أحكامهم ، ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحة وإن كانت امرأة لم يجز نكاحها ولا يرثهم ولا يرثونه ولا يثبت بينما شئ من حقوق الولاية ؟ وزعم بعضهم أن قوله : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) يدل على أن المسلم لا يرث المرتد ، لإخبار الله أنه ممن تولاه من اليهود والنصارى ، ومعلوم أن المسلم لا يرث اليهودي ولا النصراني ، فكذلك لا يرث المرتد . قال أبو بكر : وليس فيه دلالة على ما ذكرنا ، لأنه لا خلاف أن المرتد إلى اليهودية لا يكون يهوديا والمرتد إلى النصرانية لا يكون نصرانيا ، ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحته ولا يجوز تزويجها إن كانت امرأة وأنه لا يرث اليهودي ولا يرثه ؟ فكما لم يدل ذلك على إيجاب التوارث بينه وبين اليهودي والنصراني ، كذلك لا يدل على أن المسلم لا يرثه ، وإنما المراد أحد وجهين : إن كان الخطاب لكفار العرب فهو دال على أن عبدة الأوثان من العرب إذا تهودوا أو تنصروا كان حكمهم حكمهم في جواز المناكحة وأكل الذبيحة والإقرار على الكفر بالجزية ، وإن كان الخطاب للمسلمين فهو إخبار بأنه كافر مثلهم بموالاته إياهم ، فلا دلالة فيه على حكم الميراث . فإن قال قائل : لما كان ابتداء الخطاب في المؤمنين ، لأنه قال : ( يا أيها الذين آمنوا