الجصاص

552

أحكام القرآن

قوله تعالى : ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ) قال أبو بكر : فيه دلالة على أن ما لم ينسخ من شرائع الأنبياء المتقدمين فهو ثابت ، على معنى أنه صار شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم ، لقوله : ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ) ، ومعلوم أنه لم يرد أمرهم باتباع ما أنزل الله في الإنجيل إلا على أنهم يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه صار شريعة له ، لأنهم لو استعملوا ما في الإنجيل مخالفين للنبي صلى الله عليه وسلم غير متبعين له لكانوا كفارا ، فثبت بذلك أنهم مأمورون باستعمال أحكام تلك الشريعة على معنى أنها قد صارت شريعة للنبي عليه السلام . قوله تعالى : ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : " مهيمنا يعني أمينا " وقيل : شاهدا ، وقيل : حفيظا ، وقيل : مؤتمنا . والمعنى فيه أنه أمين عليه ، ينقل إلينا ما في الكتب المتقدمة على حقيقته من غير تحريف ولا زيادة ولا نقصان ، لأن الأمين على الشئ مصدق عليه ، وكذلك الشاهد . وفي ذلك دليل على أن كل من كان مؤتمنا على شئ فهو مقبول القول فيه ، من نحو الودائع والعواري والمضاربات ونحوها ، لأنه حين أنبأ عن وجوب التصديق بما أخبر به القرآن عن الكتب المتقدمة سماه أمينا عليها ، وقد بين الله تعالى في سورة البقرة أن الأمين مقبول القول فيما ائتمن فيه ، وهو قوله تعالى : ( فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته وليتق الله ربه ) [ البقرة : 283 ] وقال : ( وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا ) [ البقرة : 282 ] فلما جعله أمينا فيه وعظه بترك البخس . وقد اختلف في المراد بقوله : ( ومهيمنا ) . فقال ابن عباس : " هو الكتاب ، وفيه إخبار بأن القرآن مهيمن على الكتب المتقدمة شاهد عليها " . وقال مجاهد : " أراد به النبي صلى الله عليه وسلم " . قوله تعالى : ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) يدل على نسخ التخيير على ما تقدم من بيانه . قوله تعالى : ( ولا تتبع أهواءهم ) يدل على بطلان قول من يردهم إلى الكنيسة أو البيعة للاستحلاف ، لما فيه من تعظيم الموضع ، وهم يهوون ذلك ، وقد نهى الله تعالى عن اتباع أهوائهم . ويدل على بطلان قول من يردهم إلى دينهم لما فيه من اتباع أهوائهم والاعتداد بأحكامهم ، ولأن ردهم إلى أهل دينهم إنما هو رد لهم ليحكموا فيهم بما هو كفر بالله عز وجل ، إذ كان حكمهم بما يحكمون به كفرا بالله وإن كان موافقا لما أنزل في التوراة والإنجيل ، لأنهم مأمورون بتركه واتباع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم . قوله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) الشرعة والشريعة واحد ، ومعناها