الجصاص

546

أحكام القرآن

أعرض عنهم ) ، والذي ثبت نسخه من ذلك هو التخيير ، فأما شرط المجئ منهم فلم تقم الدلالة على نسخه ، فينبغي أن يكون حكم الشرط باقيا والتخيير منسوخا ، فيكون تقديره مع الآية الأخرى : فإن جاؤوك فاحكم بينهم بما أنزل الله . وإنما قال : " إنهم يحملون على أحكامنا إذا رضوا بها إلا في النكاح بغير شهود والنكاح في العدة " من قبل أنه لما ثبت أنه ليس لنا اعتراض عليهم قبل التراضي منهم بأحكامنا ، فمتى تراضوا بها وارتفعوا إلينا فإنما الواجب إجراؤهم على أحكامنا في المستقبل ، ومعلوم أن العدة لا تمنع بقاء النكاح في المستقبل وإنما تمنع الابتداء ، لأن امرأة تحت زوج لو طرأت عليها عدة من وطء بشبهة لم يمنع ما وجب من العدة بقاء الحكم ، فثبت أن العدة إنما تمنع ابتداء العقد ولا تمنع البقاء ، فمن أجل ذلك لم يفرق بينهما . ومن جهة أخرى أن العدة حق الله تعالى وهم غير مؤاخذين بحقوق الله تعالى في أحكام الشريعة ، فإذا لم تكن عندهم عدة واجبة لم تكن عليها عدة ، فجاز نكاحها الثاني . وليس كذلك نكاح ذوات المحارم ، إذ لا يختلف فيها حكم الابتداء والبقاء في باب بطلانه ، وأما النكاح بغير شهود فإن الذي هو شرط في صحة العقد وجوب الشهود في حال العقد ، ولا يحتاج في بقائه إلى استصحاب الشهود ، لأن الشهود لو ارتدوا بعد ذلك أو ماتوا لم يؤثر ذلك في العقد ، فإذا كان إنما يحتاج إلى الشهود للابتداء لا للبقاء لم يجز أن يمنع البقاء في المستقبل لأجل عدم الشهود . ومن جهة أخرى أن النكاح بغير شهود مختلف فيه بين الفقهاء ، فمنهم من يجيزه ، والاجتهاد سائغ في جوازه ، ولا يعترض على المسلمين إذا عقدوه ما لم يختصموا فيه ، فغير جائز فسخه إذا عقدوه في حال الكفر ، إذ كان ذلك سائغا جائزا في وقت وقوعه ، لو أمضاه حاكم ما بين المسلمين جاز ولم يجز بعد ذلك فسخه . وإنما اعتبر أبو حنيفة تراضيهما جميعا بأحكامنا من قبل قول الله تعالى : ( فإن جاؤوك فاحكم بينهم ) فشرط مجيئهم ، فلم يجز الحكم على أحدهما بمجيء الآخر . فإن قال قائل : إذا رضي أحدهما بأحكامنا فقد لزمه حكم الاسلام فيصير بمنزلته لو أسلم فيحمل الآخر معه على حكم الاسلام . قيل له : هذا غلط ، لأن رضاه بأحكامنا لا يلزمه ذلك إيجابا ، ألا ترى أنه لو رجع عن الرضا قبل الحكم عليه لم يلزمه إياه وبعد الاسلام يمكنه الرضا بأحكامنا ؟ وأيضا إذا لم يجز أن يعترض عليهم إلا بعد الرضا بحكمنا فمن لم يرض به مبقي على حكمه لا يجوز إلزامه حكما لأجل رضا غيره . وذهب محمد إلى أن رضا أحدهما يلزم الآخر حكم الاسلام كما لو أسلم . وذهب أبو يوسف إلى ظاهر قوله تعالى : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) . قوله تعالى : ( وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ) يعني : الله أعلم