الجصاص

544

أحكام القرآن

الذين يجري عليهم أحكام المسلمين . وقد روي عن ابن عباس ما يدل على ذلك ، روى محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ، أن الآية التي في المائدة قول الله تعالى : ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبين بني النضير ، وذلك أن بني النضير كان لهم شرف يدون دية كاملة ، وأن بني قريظة يدون نصف الدية ، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ذلك فيهم ، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك فجعل الدية سواء . ومعلوم أن بني قريظة والنضير لم تكن لهم ذمة قط ، وقد أجلى النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير وقتل بني قريظة ، ولو كان لهم ذمة لما أجلاهم ولا قتلهم ، وإنما كان بينه وبينهم عهد وهدنة فنقضوها . فأخبر ابن عباس أن آية التخيير نزلت فيهم ، فجائز أن يكون حكمها باقيا في أهل الحرب من أهل العهد ، وحكم الآية الأخرى في وجوب الحكم بينهم بما أنزل الله تعالى ثابتا في أهل الذمة فلا يكون فيها نسخ . وهذا تأويل سائغ لولا ما روي عن السلف من نسخ التخيير بالآية الأخرى . وروي عن ابن عباس رواية أخرى ، وعن الحسن ومجاهد والزهري : أنها نزلت في شأن الرجم حين تحاكموا إليه ، وهؤلاء أيضا لم يكونوا أهل ذمة ، وإنما تحاكموا إليه طلبا للرخصة وزوال الرجم ، فصار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت مدارسهم ووقفهم على آية الرجم وعلى كذبهم وتحريفهم كتاب الله ، ثم رجم اليهوديين وقال : " اللهم إني أول من أحيا سنة أماتوها " . وقال أصحابنا : " أهل الذمة محمولون في البيوع والمواريث وسائر العقود على أحكام الاسلام كالمسلمين ، إلا في بيع الخمر والخنزير ، فإن ذلك جائز فيما بينهم لأنهم مقرون على أن تكون مالا لهم ، ولو لم يجز مبايعتهم وتصرفهم فيها والانتفاع بها لخرجت من أن تكون مالا لهم ولما وجب على مستهلكها عليهم ضمان " . ولا نعلم خلافا بين الفقهاء فيمن استهلك لذمي خمرا أن عليه قيمتها . وقد روي أنهم كانوا يأخذون الخمر من أهل الذمة في العشور ، فكتب إليهم عمر : " أن ولوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها " فهذان مال لهم يجوز تصرفهم فيهما ، وما عدا ذلك فهو محمول على أحكامنا لقوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل نجران : " إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله " فجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم في حظر الربا ومنعهم منه كالمسلمين ، قال الله تعالى : ( وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ) [ النساء : 161 ] فأخبر أنهم منهيون عن الربا وأكل المال بالباطل ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) [ النساء : 29 ] فسوى بينهم وبين المسلمين في المنع