الجصاص
537
أحكام القرآن
المرأة إذا سرقت من زوجها ، ولا الزوج إذا سرق من امرأته . وقال الثوري : " إذا سرق من ذي رحم منه لم يقطع " . وقال مالك : " يقطع الزوج فيما سرق من امرأته والمرأة فيما تسرق من زوجها في غير الموضع الذي يسكنان فيه ، وكذلك في الأقارب " . وقال عبيد الله بن الحسن في الذي يسرق من أبويه : " إن كان يدخل عليهم لا يقطع ، وإن كانوا نهوه عن الدخول عليهم فسرق قطع " . وقال الشافعي : " لا قطع على من سرق من أبويه أو أجداده ، ولا على زوج سرق من امرأته أو امرأة سرقت من زوجها " . والدليل على صحة قول أصحابنا قول الله عز وجل : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ) [ النور : 61 ] إلى قوله : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) [ النور : 61 ] فأباح تعالى الأكل من بيوت هؤلاء ، وقد اقتضى ذلك إباحة الدخول إليها بغير إذنهم ، فإذا جاز لهم دخولها لم يكن ما فيها محرزا عنهم ، ولا قطع إلا فيما سرق من حرز . وأيضا إباحة أكل أموالهم يمنع وجوب القطع فيها ، لما لهم فيها من الحق كالشريك ونحوه . فإن قيل : فقد قال : ( أو صديقكم ) [ النور : 61 ] ويقطع فيه مع ذلك إذا سرق من صديقه . قيل له : ظاهر الآية ينفي القطع من الصديق أيضا ، وإنما خصصناه بدلالة الاتفاق ودلالة اللفظ قائمة فيما عداه ، وعلى أنه لا يكون صديقا إذا قصد السرقة . ودليل آخر ، وهو أنه قد ثبت عندنا وجوب نفقة هؤلاء عند الحاجة إليه وجواز أخذها منه بغير يدل ، فأشبه السارق من بيت المال ، لثبوت حقه فيه بغير بدل يلزمه عند الحاجة إليه . فإن قيل : قد ثبت هذا الحق عند الضرورة في مال الأجنبي ولم يمنع من القطع بالسرقة منه . قيل له : يعترضان من وجهين ، أحدهما : أنه في مال الأجنبي يثبت عند الضرورة وخوف التلف وفي مال هؤلاء يثبت بالفقر وتعذر الكسب ، والوجه الآخر : أن الأجنبي يأخذه ببدل وهؤلاء يستحقونه بغير بدل كمال بيت المال . وأيضا فلما استحق عليه إحياء نفسه وأعضائه عند الحاجة إليه بالإنفاق عليه ، وكان هذا السارق محتاجا إلى هذا المال في إحياء يده لسقوط القطع ، صار في هذه الحالة كالفقير الذي يستحق على ذي الرحم المحرم منه الانفاق عليه لإحياء نفسه أو بعض أعضائه . وأيضا فهو مقيس على الأب بالمعنى الذي قدمناه ، والله تعالى أعلم . باب فيمن سرق ما قد قطع فيه قال أصحابنا فيمن سرق ثوبا فقطع فيه ثم سرقه مرة أخرى وهو بعينه : " لم يقطع فيه " . والأصل فيه أنه لا يجوز عندنا إثبات الحدود بالقياس ، وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق ، فلما عدمناهما فيما وصفنا لم يبق في إثباته إلا القياس ، ولا يجوز ذلك عندنا .