الجصاص

523

أحكام القرآن

يحجم الآخر في رمضان : " أفطر الحاجم والمحجوم " فذكر الحجامة تعريفا لهما والإفطار واقع بغيرها . وقد روي في أخبار صحيحة أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت ، وهي هذه المرأة التي ذكر في الخبر أنها كانت تستعير المتاع وتجحده ، فبين في هذه الأخبار أنه قطعها لسرقتها . ويدل على اعتبار الحرز أيضا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه سئل عن حريسة الجبل فقال : " فيها غرامة مثلها وجلدات نكال ، فإذا أواها المراح وبلغ ثمن المجن ففيه القطع " ، وقال : " ليس في الثمر المعلق قطع حتى يأويه الجرين ، فإذا أواه الجرين ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن " . ودلالة هذا الخبر على وجوب اعتبار الحرز أظهر من دلالة الخبر الأول ، وإن كان كل واحد منهما مكتفيا بنفسه في وجوب اعتباره . ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن الحرز شرط في القطع ، وأصله من السنة ما وصفنا . والحرز عند أصحابنا ما بني للسكنى وحفظ الأموال من الأمتعة وما في معناها ، وكذلك الفساطيط والمضارب والخيم التي يسكن الناس فيها ويحفظون أمتعتهم بها ، كل ذلك حرز وإن لم يكن فيه حافظ ولا عنده ، وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب أم لا باب له ، إلا أنه محجر بالبناء ، وما كان في غير بناء ولا خيمة ولا فسطاط ولا مضرب فإنه لا يكون حرزا إلا أن يكون عنده من يحفظه وهو قريب منه بحيث يكون حافظ له ، وسواء كان الحافظ نائما في ذلك الموضع أو مستيقظا . والأصل في كون الحافظ حرزا له وإن كان في مسجد أو صحراء حديث صفوان بن أمية حين كان نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه ، فسرقه سارق ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعه ، ولا خلاف أن المسجد ليس بحرز ، فثبت أنه كان محرزا لكون صفوان عنده ، ولذلك قال أصحابنا : " لا فرق بين أن يكون الحافظ نائما أو مستيقظا " لأن صفوان كان نائما ، وليس المسجد عندهم في ذلك كالحمام ، فمن سرق من الحمام لم يقطع ، وكذلك الخان والحوانيت المأذون في دخولها وإن كان هناك حافظ ، من قبل أن الإذن موجود في الدخول من جهة مالك الحمام والدار فخرج الشئ من أن يكون محرزا من المأذون له في الدخول ، ألا ترى أن من أذن لرجل في دخول داره أن الدار لم تخرج من أن تكون حرزا في نفسها ولا يقطع مع ذلك المأذون له في الدخول ؟ لأنه حين أذن له في الدخول فقد ائتمنه ولم يحرز ماله عنه ، كذلك كل موضع يستباح دخوله بإذن المالك فهو غير حرز من المأذون له في الدخول . وأما المسجد فلم يتعلق إباحة دخوله بإذن آدمي فصار كالمفازة والصحراء ، فإذا سرق منه وهناك حافظ له قطع . وحكي عن مالك أن السارق من الحمام يقطع إن كان هناك حافظ له . قال أبو بكر : لو وجب قطعه لوجب قطع السارق من الحانوت والمأذون له في