الجصاص

521

أحكام القرآن

أثبتناها ولم نثبت ما دونها لعدم التوقيف والاتفاق فيه ، ولا يصح الاحتجاج بعموم قوله : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) لما بينا أنه مجمل بما اقترن إليه من توقيف الرسول عليه السلام على اعتبار ثمن المجن ، ومن اتفاق السلف على ذلك أيضا ، فسقط الاحتجاج بعمومه ووجب الوقوف عند الاتفاق في القطع في العشرة ونفيه عما دونها لما وصفنا . وقد رويت أخبار توجب اعتبار العشرة في إيجاب القطع ، منها ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : حدثنا نصر بن ثابت عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا قطع فيما دون عشرة دراهم " . وقد سمعنا أيضا في سنن ابن قانع حديثا رواه بإسناد له عن زحر بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم " . وقال عمرو بن شعيب : قلت لسعيد بن المسيب : إن عروة والزهري وسليمان بن يسار يقولون لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم ! فقال : أما هذا فقد مضت السنة فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم ، قاله ابن عباس وأيمن الحبشي وعبد الله بن عمر ، وقالوا : " كان ثمن المجن عشرة دراهم " . فإن احتجوا بما روي عن ابن عمر وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم ، وبما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تقطع يد السارق في ربع دينار " . قيل له : أما حديث ابن عمر وأنس فلا دلالة فيه على موضع الخلاف ، لأنهما قوماه ثلاثة دراهم وقد قومه غيرهما عشرة ، فكان تقديم الزائد أولى . وأما حديث عائشة فقد اختلف في رفعه ، وقد قيل إن الصحيح منه أنه موقوف عليها غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن الإثبات من الرواة رووه موقوفا ، وروى يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقطع يد السارق إلا في ثمن المجن ثلث دينار أو نصف دينار فصاعدا " ، وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة : " أن يد السارق لم تكن تقطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن المجن ، وكان المجن يومئذ له ثمن ولم تكن تقطع في الشئ التافه " ، فهذا يدل على أن الذي كان عند عائشة من ذلك القطع في ثمن المجن وأنه لم يكن عندها عن النبي صلى الله عليه وسلم غير ذلك ، إذ لو كان عندها عن رسول الله في ذلك شئ معلوم المقدار من الذهب أو الفضة لم تكن بها حاجة إلى ذكر ثمن المجن ، إذ كان ذلك مدركا من جهة الاجتهاد ولاحظ للاجتهاد مع النص . وهذا يدل أيضا على أن ما روي عنها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن ثبت فإنما هو تقدير منها لثمن المجن اجتهادا ، وقد روى حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمرة عن عائشة قالت : " تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا " ، قال أيوب : وحدث به يحيى عن عمرة عن عائشة