الجصاص
508
أحكام القرآن
باب حد المحاربين قال الله تعالى : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) الآية . قال أبو بكر : قوله تعالى : ( يحاربون الله ) هو مجاز ليس بحقيقة ، لأن الله يستحيل أن يحارب ، وهو يحتمل وجهين ، أحدهما : أنه سمى الذين يخرجون ممتنعين مجاهرين بإظهار السلاح وقطع الطريق محاربين لما كانوا بمنزلة من حارب غيره من الناس ومانعه ، فسموا محاربين تشبيها لهم بالمحاربين من الناس ، كما قال تعالى : ( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ) [ الأنفال : 13 ] وقوله : ( إن الذين يحادون الله ورسوله ) [ المجادلة : 5 و 20 ] ومعنى المشاقة أن يصير كل واحد منهما في شق يباين صاحبه ، ومعنى المحادة أن يصير كل واحد منهما في حد على وجه المفارقة ، وذلك يستحيل على الله تعالى إذ ليس بذي مكان فيشاق أو يحاد أو تجوز عليه المباينة والمفارقة ، ولكنه تشبيه بالمعاديين إذ صار كل واحد منهما في شق وناحية على وجه المباينة . وذلك منه على وجه المبالغة في إظهار المخالفة والمباينة ، فكذلك قوله تعالى : ( يحاربون الله ) يحتمل أن يكونوا سموا بذلك تشبيها بمظهري الخلاف على غيرهم ومحاربتهم إياهم من الناس . وخصت هذه الفرقة بهذه السمة لخروجها ممتنعة بأنفسها لمخالفة أمر الله تعالى وانتهاك الحريم وإظهار السلاح ، ولم يسم بذلك كل عاص لله تعالى ، إذ ليس بهذه المنزلة في الامتناع وإظهار المغالبة في أخذ الأموال وقطع الطريق . ويحتمل أن يريد الذين يحاربون أولياء الله ورسوله ، كما قال تعالى : ( إن الذين يؤذون الله ) [ الأحزاب : 57 ] والمعنى : يؤذون أولياء الله . ويدل على ذلك أنهم لو حاربوا رسول الله لكانوا مرتدين بإظهار محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد يصح إطلاق لفظ المحاربة لله ولرسوله على من عظمت جريرته بالمجاهرة بالمعصية وإن كان من أهل الملة ، والدليل عليه ما روى زيد بن أسلم عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب رأى معاذا يبكي فقال : ما يبكيك ؟ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اليسير من الرياء شرك ، من عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة " ، فأطلق عليه اسم المحاربة ، ولم يذكر الردة ، ومن حارب مسلما على أخذ ماله فهو معاد لأولياء الله تعالى محارب لله تعالى بذلك . وروى أسباط عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين : " أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن سالمتم " ، فاستحق من حاربهم اسم المحارب لله ورسوله وإن لم يكن مشركا ، فثبت بما ذكرنا أن قاطع الطريق يقع عليه اسم المحارب لله عز وجل ولرسوله . ويدل عليه أيضا ما روى أشعث عن الشعبي عن سعد بن قيس : أن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله