الجصاص
498
أحكام القرآن
وفي هذه الآية دلالة على قبول خبر الواحد ، لأن نقيب كل قوم إنما نصب ليعرف أحوالهم النبي صلى الله عليه وسلم أو الإمام ، فلولا أن خبره مقبول لما كان لنصبه وجه . فإن قيل : إنما يدل ذلك على قبول خبر الاثني عشر دون الواحد . قيل له : إن الاثني عشر لم يكونوا نقباء على جميع بني إسرائيل بجملتهم ، وإنما كان كل واحد منهم نقيبا على قومه خاصة دون الآخرين . قوله تعالى : ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) قال ابن عباس : " هذا قول جماعة من اليهود حين حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم نقمات الله ، فقالوا : لا تخوفنا فإنا أبناء الله وأحباؤه " . وقال السدي : " تزعم اليهود أن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد " . وقال الحسن : " إنما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد " ، وأما النصارى فقيل إنهم تأولوا ما في الإنجيل في قول المسيح عليه السلام : " إني ذاهب إلى أبي وأبيكم " وقيل : إنهم لما قالوا المسيح ابن الله وكان منهم ، جرى ذلك على قول العرب " هذيل شعراء " أي منهم شعراء ، وعلى قولهم في رهط مسيلمة ، قالوا : نحن أبناء الله ، أي قال قائل منهم وتابعوه عليه ، فكان معنى قولهم على هذا الوجه " نحن أبناء الله " أي منا ابن الله . وقال تعالى : ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) فيه إبطال دعواهم ذلك وتكذيبهم بها على لسانهم ، لأنهم كانوا مقرين بأنهم يعذبون بالذنوب ، ومعلوم أن الأب المشفق لا يعذب ولده . مطلب : في معنى قوله تعالى : ( وجعلكم ملوكا ) قوله تعالى : ( وجعلكم ملوكا ) قال عبد الله بن عمر وزيد بن أسلم والحسن : " الملك من له دار وامرأة وخادم " . وقال غيرهم : " هو الذي له ما يستغني به عن تكلف الأعمال وتحمل المشاق للمعاش " . وقال ابن عباس ومجاهد : " جعلوا ملوكا بالمن والسلوى والحجر والغمام " . وقال غيرهم : " بالأموال أيضا " . وقال الحسن : " إنما سماهم ملوكا لأنهم ملكوا أنفسهم بالتخلص من القبط الذين كانوا يستعبدونهم " . وقال السدي : " ملك كل واحد منهم نفسه وأهله وماله " . وقال قتادة : " كانوا أول من ملك الخدم " . مطلب : في معنى التحريف قوله : ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) تحريفهم إياه يكون بوجهين ، أحدهما : بسوء التأويل ، والآخر : بالتغيير والتبديل . وأما ما قد استفاض وانتشر في أيدي الكافة فغير ممكن تغيير ألفاظه إلى غيرها لامتناع التواطؤ على مثلهم ، وما لم يستفض في الكافة