الجصاص

486

أحكام القرآن

الجنابة ، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له : " إنما كان يكفيك أن تقول هكذا " وضرب بيديه إلى الأرض ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع . وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمار : " أنهم مسحوا وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد ضربة واحدة للوجه وضربة لليدين إلى المناكب والآباط " . فلما اختلفت أحاديث عمار هذا الاختلاف واتفقوا أن التيمم إلى المناكب غير ثابت الحكم ، ومع ذلك لم يعزه عمار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما حكى فعل نفسه ، لم يثبت التيمم إلى المناكب ، وإن كان له وجه في الاحتمال وهو أنه جائز أن يكون عمار ذهب في ذلك مذهب أبي هريرة في غسله ذراعيه في الوضوء إلى إبطيه على وجه المبالغة فيه ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إنكم الغر المحجلون من آثار الوضوء ، فمن أراد أن يطول غرته فليفعل " فقال أبو هريرة : إني أحب أن أطيل غرتي . ثم بقي من أخبار عمار مما عزاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم الوجه والكفان ونصف الذراع إلى المرفقين ، فكانت رواية من روى " إلى المرفقين " أولى لوجوه : أحدها أنه زائد على روايات الآخرين ، وخبر الزائد أولى . والثاني : أن الآية تقتضي اليدين إلى المنكبين لدخولهما تحت الاسم ، فلا يخرج شئ منه إلا بدليل ، وقد قامت الدلالة على خروج ما فوق المرفقين فبقي حكمه إلى المرفقين . والثالث : أن في حديث ابن عمر والأسلع التيمم إلى المرفقين من غير اختلاف عنهما في روايتهما ، وقول الزهري : " يمسح يديه إلى الإبط " قول شاذ ، ومع ذلك لم يروه أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأما قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح : " أنه يمسح بكل واحدة من الضربتين وجهه ويديه " فخلاف ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في سائر الأخبار التي ذكر فيها صفة التيمم ، لأن الذي روي في بعضها : " ضربتان : ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين " فلم يجعل ما للوجه لليدين وما لليدين للوجه ، وفي بعضها : " ضربة واحدة لهما " فقولهما خارج عن حكم الخبرين جميعا ، وهو مع ذلك خلاف الأصول ، لأن التيمم مسح ، فليس تكراره بمسنون كالمسح على الخفين ومسح الرأس ، ولو كان التكرار مسنونا فيه لكان ثلاثا كالأعضاء المغسولة . وإنما قال أصحابنا في صفة التيمم " إنه يضع يديه على الصعيد يقبل بهما ويدبر " ليتخلل أصابعه ويصيب جميعها ، وإنما قالوا : " ينفضهما " لما روى الأعمش عن سفيان عن أبي موسى أن عمارا قال ، وذكر قصة التيمم ، فقال : إنه صلى الله عليه وسلم قال : " إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا " وضرب بيده على الأرض ، وفي حديث عبد الرحمن بن أبزى عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه ضرب بيده إلى الأرض ثم نفخهما " ، وفي حديث الأسلع : " أنه نفضهما في كل مرة " والنفخ والنفض جميعا إنما هو لإزالة التراب عن يده ، وهذا يدل على أنه ليس المقصد فيه وصول التراب إلى وجهه ولا حصوله فيه ، لأنه لو كان المقصد حصول التراب في العضو لما نفضه .