الجصاص
477
أحكام القرآن
حنيفة ومحمد زفر : " لا يصلي حتى يقدر على الماء إذا كان في المصر " وهو قول الثوري والأوزاعي . وقال أبو يوسف والشافعي : " يصلي ويعيد " . والحجة لأبي حنيفة ومن قال بقوله قوله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) إلى قوله : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " ومن صلى بغير وضوء ولا تيمم فقد صلى بغير طهور ، فلا يكون ذلك صلاة ، فلا معنى لأمرنا إياه بأن يفعل ما ليس بصلاة لأجل أن عليه فرض الصلاة . وقد قال أبو يوسف : " إنه يصلي بالإيماء ثم يعيد " فلم يعتد به وأمره بالإعادة ، فلو كانت هذه صلاة لما كان مأمورا بالإعادة ، ألا ترى أنه من لم يقدر على الركوع والسجود صلى بالإيماء ولا يؤمر بالإعادة ؟ فإن قيل : قد يأمره إذا كان محبوسا في بيت نظيف أن يتيمم ويعيد ، ووجوب الإعادة لم يسقط عنه فعلها بالتيمم . قيل له : قد روى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة " أنه لا يتيمم ولا يصلي حتى يخرج " فهذا مستمر على هذا الأصل ، وذكر في الأصل أنه يتيمم ويصلي ويعيد ، ولم يذكر خلافا . وجائز أن يكون هذا قول أبي يوسف وحده ، فإن كان قولهم جميعا فوجه هذه الرواية على قول أبي حنيفة أن الصلاة بالتيمم قد تكون صلاة صحيحة بحال وهو حال عدم الماء أو خوف الضرر ، فلما كان عادما للماء في هذه الحال جاز له التيمم ، وكان القياس أن يكون كالمسافر إذا كان الماء منه قريبا وخاف السبع أو اللصوص فيجوز له التيمم ولا يعيد ، فهذا هو القياس ، إلا أنه ترك القياس وأمره بالإعادة وفرق بين حال السفر والحضر لأن الماء موجود في الحضر ، وإنما وقع المنع بفعل آدمي وفعل الآدمي في مثله لا يسقط الفرض ، ألا ترى أنه لو منعه رجل مكرها من فعل الصلاة أصلا أو من فعلها بركوع وسجود وصلى بالإيماء أنه يعيد ؟ ولو كان المنع من فعل الله تعالى بإغماء ونحوه سقط عنه الفرض ، ولو كان مريضا سقط عنه فعل الركوع إلى الإيماء ، فاختلف حكم المنع إذا كان بفعل الله أو بفعل الآدمي . فكذلك حال الحضر ، لما كانت حال وجود الماء لم يسقط فرض استعماله بمنع الآدمي منه ، فأمره بالتيمم وإعادتها بالماء ، وعلى الرواية الأولى لم يأمره بفعلها ، لأنه لا يعتد بها فلا معنى للأمر بها . فإن قيل : فأنت تأمر المحرم الذي لا شعر على رأسه وأراد الإحلال أن يمر الموسى على رأسه متشابها بالحالقين وإن لم يحلق ، فهلا أمرت المحبوس الذي لا يقدر على الماء والتراب أن يصلي متشابها بالمصلين وإن لم يكن مصليا ! وكما تأمر الأخرس بتحريك لسانه بالتلبية استحبابا وإن لم يكن ملبيا ! قيل له : الفصل بينهما أن أفعال المناسك قد ينوب عنه الغير فيها في حال فيصير حكم فعله كفعله ، فجاز أن ينوب عن الحلق إمرار الموسى على رأسه كما يفعله الغير عنه فيجزي وكذلك تلبية الغير قد تنوب