الجصاص

470

أحكام القرآن

غسل إحدى الرجلين والمسح على الخف في الرجل الأخرى ، لكون المسح بدلا من الغسل فلم يجز الجمع بينهما ، وجب أن لا يلزمه الجمع بين غسل الأعضاء والتيمم لهذه العلة . وأيضا فإن التيمم لا يرفع الحدث كالمسح لا يرفع الحدث عن الرجل ، فلم يجز الجمع بين ما يرفع الحدث وبين مالا يرفعه في المسح ، كذلك لا يجوز الجمع بين التيمم والغسل في بعض الأعضاء على أن يكونا من فرضه . وأيضا فإن التيمم بدل من غسل جميع الأعضاء وغير جائز وقوعه عن بعض الأعضاء دون بعض ، ألا ترى أنه ينوب عن الغسل تارة وعن الوضوء أخرى على أنه قام مقام جميع الأعضاء التي أوجب الحدث غسلها ؟ فلو أوجبنا عليه غسل ما يمكنه غسله مع التيمم لم يخل التيمم من أن يقوم مقام غسل بعض أعضائه أو جميعه ، فإن قام مقام ما لم يغسل منه فقد صار التيمم إنما يقع طهارة عن بعض الأعضاء ، وذلك مستحيل لأنه لا يتبعض ، فلما بطل ذلك لم يبق إلا أن يقوم مقام جميعها فيصير حينئذ متوضئا متيمما في الأعضاء المغسولة ، وذلك محال لأن الحدث زائل عن العضو المغسول فلا ينوب عنه التيمم ، فثبت أنه لا يجوز اجتماعهما في الوجوب . وعلى أن الشافعي يوجب عليه غسل الوجه والذراعين بذلك الماء ويتيمم مع ذلك لهذين العضوين ، فيكون تيممه في هذين العضوين قائما مقامهما ومقام العضوين الآخرين ، فيكون قد ألزمه طهارتين في هذين العضوين ، فكيف يجوز أن يكون طهارة في العضوين المغسولين وهو إذا حصل طهارة لم يرفع الحدث ويكون حكم الحدث باقيا مع وجوده ؟ فكيف يجوز وقوعه مع عدم رفع الحدث عما وقع فيه ؟ . فإن قيل : يلزمك مثله إذا قلت مثله فيما إذا غسل بعض أعضائه ، لأنه يلزمه التيمم ويكون ذلك طهارة لجميعه . قيل له : لا يلزمنا ذلك ، لأنا لا نوجب عليه استعماله فسقط حكمه إن استعمله ، وأنت توجب استعماله كما نوجبه لو وجد ما يكفيه لجميع أعضائه فكان بمنزلة من توضأ وأكمل وضوءه ، فلا يجوز أن يقوم التيمم مقام شئ منه . فإن قال : فقد يجوز عندكم الجمع بين التيمم والوضوء ولا ينافي أحدهما الآخر ، وهو الذي يجد سؤر الحمار ولا يجد غيره . قيل له : إن طهارته أحد هذين لا جميعهما ، ولذلك أجزنا له أن يبدأ بأيهما شاء لأنه مشكوك فيه عندنا فلم يسقط عنه فرض الطهارة بالشك ، فإذا جمع بينهما فالمفروض أحدهما ، كما قالوا جميعا فيمن نسي إحدى الصلوات الخمس ولا يدري أيها هي يصلي خمس صلوات حتى يصلي على اليقين ، وإنما الذي عليه واحدة لا جميعها ، كذلك ههنا ، وأنت تزعم أن المفروض هما جميعا في مسألتنا . وأيضا لما كان التيمم بدلا من الماء كالصوم بدلا من الرقبة لم يجز اجتماع بعض الرقبة والصوم ، وجب مثله في التيمم والماء .