الجصاص
466
أحكام القرآن
مقصورا على الجماع لم يفد ذلك ، فالواجب على قضيتك في اعتبار الفائدتين حمله عليهما جميعا ، فيفيد كون اللمس حدثا ويفيد أيضا جواز التيمم للجنب ، فإن لم يجز حمله على الأمرين لما ذكرت من اتفاق السلف على أنهما لم يرادا ولامتناع كون اللفظ مجازا حقيقة أو كناية وصريحا ، فقد ساويناك في إثبات فائدة مجددة بحمله على اللمس باليد مع استعمالنا حقيقة اللفظ فيه ، فما جعلك إثبات فائدة من جهة إباحة التيمم للجنب أولى ممن أثبت فائدته من جهة كون اللمس باليد حدثا ؟ قيل له : لأن قوله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة ) مفيد لحكم الإحداث في حال وجود الماء ، ونص مع ذلك على حكم الجنابة ، فالأولى أن يكون ما في نسق الآية من قوله : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) إلى قوله : ( أو لامستم النساء ) بيانا لحكم الحدث والجنابة في حال عدم الماء كما كان في أول الآية بيانا لحكمهما في حال وجوده ، وليس موضوع الآية في بيان تفصيل الإحداث وإنما إنما هي في بيان حكمها ، وأنت متى حملت اللمس على بيان الحدث فقد أزلتها عن مقتضاها وظاهرها ، فلذلك كان ما ذكرناه أولى . ووجه آخر : وهو أن حمله على الجماع يفيد معنيين : أحدهما إباحة التيمم للجنب في حال عوز الماء ، والآخر : أن التقاء الختانين دون الإنزال يوجب الغسل ، فكان حمله على الجماع أولى من الاقتصار به على فائدة واحدة وهو كون اللمس حدثا . مطلب : المفاعلة لا تكون إلا من اثنين إلا في أشياء نادرة ودليل آخر على ما ذكرنا من معنى الآية : وهو أنها قد قرئت على وجهين : " أو لامستم النساء " و " لمستم " ، فمن قرأ : " أو لامستم " فظاهره الجماع لا غير ، لأن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين إلا في أشياء نادرة ، كقولهم : " قاتله الله " و " جازاه وعافاه الله " ونحو ذلك ، وهي أحرف معدودة لا يقاس عليها أغيارها ، والأصل في المفاعلة أنها بين اثنين ، كقولهم : " قاتله وضاربه وسالمه وصالحه " ونحو ذلك ، وإذا كان ذلك حقيقة اللفظ فالواجب حمله على الجماع الذي يكون منهما جميعا ، ويدل على ذلك أنك لا تقول " لامست الرجل ولامست الثوب " إذا مسسته بيدك لانفرادك بالفعل ، فدل على أن قوله : ( أو لامستم ) بمعنى : أو جامعتم النساء ، فيكون حقيقته الجماع ، وإذا صح ذلك وكانت قراءة من قرأ : " أو لمستم " يحتمل اللمس باليد ويحتمل الجماع ، وجب أن يكون ذلك محمولا على مالا يحتمل إلا معنى واحدا ، لأن مالا يحتمل إلا معنى واحدا فهو المحكم ، وما يحتمل معنيين فهو المتشابه ، وقد أمرنا الله تعالى بحكم المتشابه على المحكم ورده إليه بقوله : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ) [ آل عمران : 7 ] الآية ، فلما جعل المحكم أما للمتشابه فقد أمرنا بحمله عليه ،