الجصاص
449
أحكام القرآن
حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة وقال : " هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به " ولم يذكر فيه التسمية ، وقد علم الأعرابي الطهارة في الصلاة في حديث رفاعة بن رافع وقال : " لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه . . " إلى آخره ، ولم يذكر التسمية ، وحديث علي وعثمان وعبد الله بن زيد وغيرهم في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أحد منهم التسمية فرضا فيه ، وقالوا : هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلو كانت التسمية فرضا فيه لذكروها ولورد النقل به متواترا في وزن ورود النقل في سائر الأعضاء المفروض طهارتها ، لعموم الحاجة إليه . فإن احتجوا بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " . قيل له : لا تجوز الزيادة في نص القرآن إلا بمثل ما يجوز به النسخ ، فهذا سؤال ساقط من وجهين : أحدهما ما ذكرنا ، والآخر أن أخبار الآحاد غير مقبولة فيما عمت البلوى به ، وإن صح احتمل أنه يريد به نفي الكمال لا نفي الأصل ، كقوله : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " و " من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له " ونحو ذلك . فإن قيل : لما كان الحدث يبطله صار كالصلاة في الحاجة إلى ذكر اسم الله تعالى في ابتدائه . قيل له : قولك إن الحدث يبطل الصلاة غلط عندنا ، لأنه جائز بقاء الصلاة مع الحدث إذا سبقه ويتوضأ ويبني ، وأيضا فليست العلة في حاجة الصلاة إلى الذكر أن الحدث يبطلها وإنما المعنى أن القراءة مفروضة فيها ، وأيضا نقيسه على غسل النجاسة بمعنى أنه طهارة ، وأيضا فقد وافقونا على أن تركها ناسيا لا يمنع صحة الطهارة ، فبطل بذلك قولهم من وجهين : أحدهما أن الصلاة يستوي في بطلانها ترك ذكر التحريمة ناسيا أو عامدا ، والثاني : أنها لو كانت فرضا لما أسقطها النسيان ، إذ كانت شرطا في صحة الطهارة كسائر شرائطها المذكورة . فصل مطلب : اختلف الفقهاء في فرضية الاستنجاء قوله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) الآية ، يدل على أن الاستنجاء ليس بفرض وأن الصلاة جائزة مع تركه إذا لم يتعد الموضع . وقد اختلف الفقهاء في ذلك ، فأجاز أصحابنا صلاته وإن كان مسيئا في تركه . وقال الشافعي : " لا يجزيه إذا تركه رأسا " . وظاهر الآية يدل على صحة القول الأول . وروي في التفسير أن معناه : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون ، وقال في نسق الآية : " أو جاء أحد منكم من