الجصاص
44
أحكام القرآن
العقول بين من أراد ظلم نفسه لغيره وبين من أراد ظلم انسان لغيره وأنهما سواء في القبح ؟ فكذلك ينبغي أن تكون إرادته للظلم منتفية منه ومن غيره . قوله عز وجل : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) ، قيل في معنى قوله : ( كنتم ) وجوه : روي عن الحسن أنه يعني فيما تقدمت البشارة والخبر به من ذكر الأمم في الكتب المتقدمة ، قال الحسن : نحن آخرها وأكرمها على الله . وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) قال : " أنتم تتمنون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى " ، فكان معناه : كنتم خير أمة أخبر الله بها أنبياءه فيما أنزل إليهم من كتبه . وقيل : إن دخول " كان " وخروجها بمنزلة " إلا " بمقدار دخولها لتأكيد وقوع الأمر لا محالة ، إذ هو بمنزلة ما قد كان في الحقيقة كما قال تعالى : ( وكان الله غفورا رحيما ) [ النساء : 96 ] ( وكان الله عليما حكيما ) [ النساء : 17 ] ، والمعنى الحقيقي وقوع ذلك . وقيل : كنتم خير أمة ، بمعنى حدثتم خير أمة ، فيكون " خير أمة " بمعنى الحال . وقيل : كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ . وقيل : كنتم منذ أنتم ، ليدل أنهم كذلك من أول أمرهم . وفي هذه الآية دلالة على صحة إجماع الأمة من وجوه ، أحدها : كنتم خير أمة ، ولا يستحقون من الله صفة مدح إلا وهم قائمون بحق الله تعالى غير ضالين . والثاني : اخباره بأنهم يأمرون بالمعروف فيما أمروا به فهو أمر الله تعالى ، لأن المعروف هو أمر الله . والثالث : أنهم ينكرون المنكر ، والمنكر هو ما نهى الله عنه ، ولا يستحقون هذه الصفة إلا وهم لله رضى ، فثبت بذلك أن ما أنكرته الأمة فهو منكر وما أمرت به فهو معروف وهو حكم الله تعالى ، وفي ذلك ما يمنع وقوع إجماعهم على ضلال ، ويوجب أن ما يحصل عليه إجماعهم هو حكم الله تعالى . قوله تعالى : ( لن يضروكم إلا أذى ) الآية ، فيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه أخبر عن اليهود الذين كانوا أعداء المؤمنين وهم حوالي المدينة بنو النضير وقريظة وبنو قينقاع ويهود خيبر ، فأخبر الله تعالى أنهم لا يضرونهم إلا أذى من جهة القول ، وأنهم متى قاتلوهم ولوا الأدبار ، فكان كما أخبر ، وذلك من علم الغيب . قوله تعالى : ( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) وهو يعني به اليهود المتقدم ذكرهم . فيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن هؤلاء