الجصاص
434
أحكام القرآن
" وحور عين " فخفضهن بالمجاورة وهن معطوفات في المعنى على الولدان ، لأنهن يطفن ولا يطاف بهن ، وكما قال الشاعر : فهل أنت إن ماتت أتانك راكب * لا آل بسطام بن قيس فخاطب فخفض " خاطبا " بالمجاورة ، وهو معطوف على المرفوع من قوله : " راكب " والقوافي مجرورة ، ألا ترى إلى قوله : فنل على مثلها في مثلهم أو فلمهم * على دارمي بين ليلى وغالب فثبت بما وصفنا احتمال كل واحدة من القراءتين للمسح والغسل ، فلا يخلو حينئذ القول من أحد معان ثلاثة : إما أن يقال إن المراد هما جميعا مجموعان ، فيكون عليه أن يمسح ويغسل فيجمعهما . أو أن يكون أحدهما على وجه التخيير يفعل المتوضئ أيهما شاء ، ويكون ما يفعله هو المفروض . أو يكون المراد أحدهما بعينه لا على وجه التخيير . وغير جائز أن يكونا هما جميعا على وجه الجمع لاتفاق الجميع على خلافه ، ولا جائز أيضا أن يكون المراد أحدهما على وجه التخيير إذ ليس في الآية ذكر التخيير ولا دلالة عليه ، ولو جاز إثبات التخيير مع عدم لفظ التخيير في الآية لجاز إثبات الجمع مع عدم لفظ الجمع ، فبطل التخيير بما وصفنا . وإذا انتفى التخيير والجمع لم يبق إلا أن يكون المراد أحدهما لا على وجه التخيير ، فاحتجنا إلى طلب الدليل على المراد منهما ، فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاق الجميع على أنه إذا غسل فقد أدى فرضه وأتى بالمراد وأنه غير ملوم على ترك المسح ، فثبت أن المراد الغسل . وأيضا فإن اللفظ لما وقف الموقف الذي ذكرنا من احتماله لكل واحد من المعنيين مع اتفاق الجميع على أن المراد أحدهما ، صار في حكم المجمل المفتقر إلى البيان ، فمهما ورد فيه من البيان عن الرسول صلى الله عليه وسلم من فعل أو قول علمنا أنه مراد الله تعالى ، وقد ورد البيان عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالغسل قولا وفعلا ، فأما وروده من جهة الفعل فهو ما ثبت بالنقل المستفيض المتواتر : " أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل رجليه في الوضوء " . ولم تختلف الأمة فيه ، فصار فعله ذلك واردا مورد البيان ، وفعله إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب ، فثبت أن ذلك هو مراد الله تعالى بالآية . وأما من جهة القول فما روى جابر وأبو هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وغيرهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما تلوح أعقابهم لم يصبها الماء ، فقال : " ويل للأعقاب من النار ! أسبغوا الوضوء ! " وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة ، فغسل رجليه وقال : " هذا وضوء من لا